الساعة السابعة صباحًا، تتوقف سيارة أمام أحد شواطئ الإسكندرية. يترجل الأب حاملًا حقيبة الطعام وكولمان المياه، بينما تمسك الأم بحلة المحشي وصينية البطاطس، ويقفز الأطفال فوق الرمال وكأنهم عادوا إلى مكان يعرفونه أكثر مما يعرفون بيوتهم. دقائق قليلة، ويتحول جزء من الشاطئ إلى غرفة معيشة مفتوحة على البحر؛ الكراسي والترابيزة والشمسية في أماكنها، والشاي يُسكب في الأكواب، والضحكات تسبق الأمواج.
في الإسكندرية، يحمل المصطاف إلى البحر طعامه ومشروباته فقط، بينما تنتظره باقي التفاصيل على الشاطئ. وربما لهذا السبب، ظل المصيف في المدينة لعقود طويلة أكثر من مجرد رحلة صيفية؛ بل كان مناسبة عائلية تتكرر كل عام، تُصنع خلالها ذكريات يصعب تكرارها في أي مكان آخر.
البحر… ذاكرة عمرها أكثر من قرن
منذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الإسكندرية تفرض نفسها كأهم مصيف في مصر بفضل اعتدال مناخها واتصالها بالقاهرة عبر السكك الحديدية، ثم اتساع كورنيشها وشواطئها مع مرور الزمن.
ومع بدايات القرن العشرين، لم تعد المدينة مقصدًا للنخبة أو للجاليات الأجنبية فقط، بل أصبحت الوجهة الصيفية المفضلة للأسر المصرية من مختلف المحافظات. ومنذ ذلك الحين ارتبط اسم الإسكندرية في الوجدان الشعبي بالمصيف، حتى أصبحت عبارة “نازلين إسكندرية” إعلانًا رسميًا عن بداية الصيف.
25 جنيهًا… ويوم كامل على البحر
في كثير من الشواطئ السياحية بالإسكندرية، لا تتجاوز قيمة تذكرة الدخول 25 جنيهًا للفرد، وتشمل كرسيًا وترابيزة وشمسية إلى جانب استخدام المرافق الأساسية. لذلك لا يحتاج المصطاف إلى حمل أكثر من طعامه ومشروباته بينما يجد كل ما يحتاجه لقضاء يوم كامل على الشاطئ في انتظاره.
قد يبدو الرقم بسيطًا لكنه يعكس فلسفة مدينة كاملة بأن يظل البحر في متناول الأسرة المصرية وأن يستطيع الأب اصطحاب زوجته وأطفاله وأقاربه لقضاء يوم كامل دون أن تتحول الرحلة إلى عبء مالي.
هنا لا تُقاس قيمة المصيف بعدد الخدمات الفاخرة وإنما بعدد الأشخاص الذين يستطيعون مشاركة اليوم نفسه. ولذلك لا يبدو غريبًا أن تستأجر أسرة شقة بسيطة تضم عشرة أو خمسة عشر فردًا يتقاسمون الغرف والطعام والضحكات ثم يخرجون جميعًا إلى البحر.
اللمة… البطل الحقيقي للمصيف
لم يكن البحر وحده هو بطل الحكاية بل اللمة أيضًا. الجدة التي تراقب أحفادها تحت الشمسية والأم التي تفتح حلة المحشي وقت الظهيرة والأب الذي ينادي على الجميع لشرب الشاي والأطفال الذين يقضون ساعات بين الأمواج والرمال ثم يجتمعون مع الغروب لالتقاط صورة جماعية قبل العودة.
هكذا تشكلت ثقافة المصيف المصري؛ لم تبنها الفنادق ولا المنتجعات وإنما صنعتها الأسر التي اعتادت أن ترى البحر مكانًا يجمعها لا خدمة تستهلكها.
حين تتغير فلسفة المصيف
في السنوات الأخيرة ظهرت أنماط جديدة للمصايف تعتمد على المنتجعات المغلقة وإدارة أكثر تنظيمًا للدخول واستخدام الخدمات. وأثارت بعض اللوائح الجديدة داخل عدد من المشروعات الساحلية نقاشًا واسعًا بين الملاك والزائرين حول حدود التنظيم وطبيعة استخدام الشواطئ ومدى توافق هذه النماذج مع الثقافة المصرية التي اعتادت أن يكون المصيف فيها مساحة عائلية مفتوحة.
لا يتعلق الأمر برفض التطوير أو التقليل من أهمية الاستثمار فالمشروعات الحديثة أسهمت في رفع مستوى الخدمات والبنية التحتية ولكل مشروع الحق في وضع قواعده المناسبة لإدارة مرافقه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء: هل يمكن أن تتطور المدن الساحلية دون أن تتغير الثقافة التي ارتبط بها المصريون في علاقتهم بالبحر؟ وهل يظل المصيف كما عرفته الأجيال السابقة أم أن مفهومه يعاد تشكيله وفق أنماط جديدة للحياة؟
الإسكندرية… لأنها تشبه المصريين
رغم ظهور وجهات ساحلية جديدة ما زالت الإسكندرية تحتفظ بمكانتها الخاصة في قلوب المصريين ليست لأنها الأكثر فخامة ولا لأنها الأحدث وإنما لأنها ما زالت تمنح زوارها إحساسًا بالألفة.
هنا لا يحتاج الأطفال إلى أكثر من كرة ورمال ولا تحتاج الأسرة إلى أكثر من وجبة أُعدت في المنزل ويكفي أن تجلس تحت شمسية واحدة لتشعر أن البحر ما زال يتسع للجميع.
ومع كل غروب تُطوى الشماسي وتُجمع بقايا الطعام ويعود الأطفال إلى سياراتهم وقد غلبهم النعاس. ينتهي يوم المصيف كما بدأ؛ بسيطًا وعفويًا ومليئًا بالحكايات.
وربما لهذا السبب ستظل الإسكندرية بالنسبة لكثير من المصريين أكثر من مدينة ساحلية ستظل المكان الذي يذكرهم بأن البحر لا يُقاس فقط بزرقة مياهه وإنما بالمساحة التي يتركها في القلب وبقدرته حتى اليوم على جمع العائلة كلها تحت شمسية واحدة.

