الروائية والشاعرة المصرية الدكتورة سهير المصادفة:.

في عالم الأدب والقصة، هناك كُتّاب يكتبون لمجرد الحكاية، وهناك مبدعون يجعلون من القلم مجهرًا يرون به خفايا النفس البشرية وأوجاع المجتمع. في مقدمة هؤلاء، تقف الروائية والشاعرة الدكتورة سهير المصادفة، التي تميزت برحلة أدبية وثقافية حافلة، جمعت فيها بين الإبداع الروائي والشعري، والترجمة، والعمل الإداري الثقافي البارز في خدمة القارئ. ومنذ روايتها الأولى “لهو الأبالسة” التي حققت صدى نقديًا وجامعيًا واسعًا، مرورًا بـ “ميس إيجيبت” و”رحلة الضباع” و”بياض ساخن”، وصولاً إلى “لعنة ميت رهينة” و”يوم الثبات الانفعالي”، تثبت سهير المصادفة في كل عمل أنها لا تقف عند المظاهر الخارجية للحياة. إنها تبحث دائمًا عن جوهر الإنسان الصادق، وتغوص في تعقيدات واقعه، وتكشف بجرأة عما يعانيه من حيرة وجودية، واغتراب، وصراع بين جذور الريف وصخب المدينة. ولأنها بدأت حياتها الأدبية شاعرة، فإن لغتها الروائية جاءت مميزة بلمسة جمالية خاصة، تبتعد عن التكرار والثرثرة الزائدة. ولم يقتصر دورها على النثر والشعر؛ بل امتد وعيها الثقافي لسنوات طويلة من خلال إدارتها لمشروعات ثقافية كبرى تركت أثرًا في وجدان القراء مثل “مكتبة الأسرة” و”سلسلة الجوائز”. في هذا الحوار المباشر والعميق نستمع إلى صوت الدكتورة سهير المصادفة الإنساني الصادق؛ تتحدث عن نظرتها للكتابة كمسؤولية تجاه المهمشين، وعن موقفها من قضايا المرأة وازدواجية المجتمع، وتكشف عن رؤيتها الصريحة لأزمات النشر والجوائز الأدبية في عالمنا العربي. إنه حديث يجمع بين بساطة الكلمة وعمق الفكرة، تفتح فيه الكاتبة قلبها وعقلها لتقول للأجيال القادمة: “إن الإبداع الحقيقي هو القدرة على الحلم والكتابة بحرية”.

أولاً: رؤية العالم والتشكيل الإبداعي.

كيف تُحوّل المصادفة “مفهوم الهوية” من واقع معيش إلى لغز سردي في رواياتها؟

* حيثما نولي وجوهنا إلى أي بقعة من العالم سنجد تجليات تشظي الهوية؛ حتى في المجتمعات التي يسمونها متحضرة أو متقدمة. لم يعد مفهوم الهوية النقي موجودًا ليس بسبب العولمة كما يرددون دائمًا، بل مذ ابتعد الإنسان عن التربة السوداء التي يزرعها بيديه ويأكل مما تنبته. وقتها كان كل فرد يعرف لمَن ولماذا ينتمي بالضبط. بعد الثورة الصناعية الأولى وبالتدريج صار الريف شبه مدينة والمدينة شبه قرية والبلاد لا تشبه نفسها كما صورها الإدريسي على خارطته؛ حيث كانت بعيدة ومغلقة على خصوصيتها وغامضة وساحرة. فقدت الحدود معناها القاموسي إلى الأبد؛ فحيثما تحط قدم الإنسان سيجد أناسًا شبه متشابهين يؤرقهم سؤال هويتهم. وربما هذا سبب مشاحناتهم الدائمة على مواقع التواصل الاجتماعي وشجاراتهم حول أفضلية جنسية على أخرى أو لون بشرة على آخر. فما الذي يجعلنا نتشاجر حول تعريف الماء بالماء -مثلًا- لو أنه معرّف بالفعل؟ الهوية ملغزة في الواقع المعيش نفسه تم تذويبها عبر عقود ولم يكن عليّ إلا التقاطها بعين منتبهة.

ما مدى تأثير “فلسفة الوجود” على بناء شخوصك؟

* وجود الإنسان مربك بشكل عام في كل زمان ومكان منذ بدء الخليقة مذ صرخ صرخته الأولى كمولود فتح عينيه على الحياة سائلًا نفسه: مَن أنا؟ وما الذي أخرجني من ظلماتي الآمنة؟ يكبر ليظل يتساءل دون الحصول على إجابات دامغة لأسئلته؛ هل خرجت من العدم وأعود إليه؟! يدور في متاهات الشك واليقين يكافح ويصارع القبح والظلم والشر والكراهية والفقر محاولاً رفع صخرة الوعي التي تميزه إلى أعلى جبل الطمأنينة ولكنه مثل سيزيف الإغريقي لا ينجح أبدًا. يسائل الحجر والشجر والبحار والأنهار والجبال عن سبب اختلافه عنهم وتميزه بوعيه للوجود وهل يرونه؟ يعرف أنهم موجودون فهل هو موجود بالنسبة لهم؟ هل هو بالفعل مجرد ذرة غبار تهيم في كون لا نهائي وأن الكرة الأرضية نفسها أقل من ذرّة غبار وفقًا لمسبار هابل الفضائي إذا ما تم النظر إليها والتقاط صورتها من عمق الفضاء البعيد؟! وشخوص رواياتي هم بشر رغم اختلاف ثقافتهم أو طبقتهم الاجتماعية أو تعليمهم أو لونهم أو جنسهم يختبئ في أعمق نقطة بنفوسهم سؤال الوجود.

كيف تصوغ المصادفة الروائية “عذابات الإنسان” بعيداً عن المباشرة والخطابية؟

* ربما لأنني بدأت حياتي الأدبية شاعرة وكنت أحاول تلمس خطواتي الأولى نحو فهم الواقع أقرأ فأفهم ما أقرأه ولكنني لا أفهم لماذا أصبحنا هكذا وقد كنا إمبراطورية لحضارة متفردة كبرى منحنا التاريخ فجره وأهدينا العالم ضميره. أثناء عامي الجامعي الأول وبينما أتلو قصيدة في حفل تم تجنيدي في أحد الأحزاب اليسارية التحتية ولست نادمة ألا يقولون: