يُنسب إلى المفكر الراحل مصطفى محمود قوله إن من أكبر إنجازات الدول المتخلفة أنها استطاعت أن تقنع شعوبها بأن التأهل إلى كأس العالم إنجاز عظيم، بينما انهيار التعليم والصحة أمر عادي يمكن التعايش معه.

وقد تبدو العبارة قاسية، لكنها تصف بدقة انقلابًا خطيرًا في سلم الأولويات؛ فالأمم لا تُقاس بما تحرزه من أهداف في الملاعب وحدها، وإنما بما تحققه من تقدم في المدارس والجامعات والمختبرات والمستشفيات.

العرب الأوائل أدركوا هذه الحقيقة مبكرًا. كانوا يقولون: «علِّموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل»، ولم يكن المقصود مجرد إتقان مهارات القتال أو الفروسية، بل إعداد إنسان قوي الجسد، واسع المعرفة، قادر على مواجهة تحديات عصره.

ثم جاءت الحضارة الإسلامية فوسعت مفهوم العلم حتى أصبحت القراءة فريضة، وكان أول خطاب إلهي لهذه الأمة: ﴿اقْرَأْ﴾. فبالعلم شُيّدت الحضارة، وبالعقل قادت الأمة الدنيا قرونًا طويلة.

لكن شيئًا ما انكسر في رحلتنا. تركنا العلم فتخلّفنا، وأهملنا التعليم والصحة فتراجعنا. أصبح الكتاب غريبًا في بيوت كثيرة، وصار مشهد الكتب الملقاة على الأرصفة يعلوها الغبار، بينما تُعرض الأحذية والسلع الكمالية في واجهات براقة، صورة رمزية لمجتمع ارتفعت فيه قيمة ما نرتديه أكثر من قيمة ما نقرأه.

وتبدلت كذلك منظومة القدوة. فأصبح نجوم المجتمع في نظر كثيرين هم لاعبي الكرة والفنانين وحدهم، وأصبحت الشهرة السريعة والثروة المفاجئة حلمًا يراود الشباب أكثر من التفوق العلمي أو الإنجاز المعرفي. بل إن بعض البلطجية وتجار النفوذ تحولوا في المخيلة الشعبية إلى نماذج للنجاح، تُغازل مكانتهم وأموالهم أحلام قطاع من الشباب، وكأن قيمة الإنسان لم تعد فيما يعلم أو يبدع، بل فيما يملك أو يستعرض.

ولا يعني ذلك التقليل من شأن الرياضة أو الفن؛ فلكل منهما رسالته ودوره. لكن الخلل يبدأ حين يصبح العالم والمعلم والطبيب والباحث في آخر الصف، بينما يتصدر المشهد من يجيد الترفيه أو يملك المال والنفوذ مهما كانت وسيلته.

إن الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه لأنها تمتلك أفضل اللاعبين أو أكثر الفنانين شهرة، بل لأنها جعلت التعليم مشروعها الأول والبحث العلمي استثمارها الأكبر والصحة حقًا أصيلًا لمواطنيها. أما نحن فما زلنا في كثير من الأحيان نحتفل بالنتائج ونغفل الأسباب ونبتهج باللحظة العابرة بينما نهمل الأساس الذي يُصنع عليه المستقبل.

لقد صدق الشاعر حين قال:
العلم يبني بيوتًا لا عماد لها …  والجهل يهدم بيت العز والكرم.

ولعل سؤال النهضة الحقيقي ليس: كم بطولة حققنا؟ ولا كم مباراة فزنا بها؟ بل: كم مدرسة أصلحنا؟ وكم باحثًا دعمنا؟ وكم طبيبًا أبقينا في وطنه؟ وكم كتابًا وضعنا في يد طفل؟ وكم إنجاز علمي أو براءة اختراع قد حققنا وامتلكنا حق تسويقها وجلب الموارد من ورائها؟!

فالأمم قد تفرح بهدف لدقائق، لكنها لا تبني مجدها إلا بالعقول. وحين تصبح الأقدام أغلى من العقول والنجومية أغلى من المعرفة والمال أغلى من القيم فلا ينبغي أن نتعجب من حال أمة تأخرت بعدما كانت يومًا تقود العالم بالعلم والحضارة.