تمكنت بعثة أثرية مصرية من الكشف عن مدينة سكنية متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي في موقع عين السبيل الأثري بواحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، وذلك خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وقد شُيدت مباني المدينة بالكامل من الطوب اللبن، مما يمثل كشفًا أثريًا جديدًا يعيد رسم ملامح الحياة اليومية داخل الواحة خلال واحدة من أهم الفترات التاريخية.

مدينة بيزنطية متكاملة في واحة الداخلة

يُعتبر هذا الكشف من أبرز الاكتشافات الأثرية الحديثة في المنطقة، حيث أزاح الستار عن مدينة ذات تخطيط عمراني متكامل يعكس طبيعة المجتمع المصري في العصر البيزنطي، بما تحتويه من عناصر معمارية ودينية واجتماعية واقتصادية.
وأشارت حنان مجدي، محافظ الوادي الجديد، إلى أن أهمية هذا الكشف لا تقتصر على العثور على مدينة سكنية جديدة، بل تمتد إلى ما يقدمه الموقع من معلومات مهمة حول طبيعة المجتمع في واحة الداخلة خلال العصر البيزنطي، وما شهده من تنظيم عمراني وأنشطة اجتماعية واقتصادية ودينية.

مدينة عين السبيل في واحة الداخلة

وأضافت أن موقع عين السبيل يُمثل إضافة مهمة لخريطة الآثار المصرية، خاصة أن واحة الداخلة تضم شواهد أثرية متعددة تعكس تنوعًا حضاريًا كبيرًا عبر العصور. وأكدت أن مثل هذه الاكتشافات تدعم مكانة محافظة الوادي الجديد كمقصد مهم للسياحة الثقافية.
وأوضحت المحافظ أن المدينة تتميز بتخطيط عمراني واضح، حيث ظهرت شوارع رئيسية تمتد من الشمال إلى الجنوب، تتقاطع معها شوارع عرضية من الشرق إلى الغرب، مما أسفر عن تكوين ميادين وساحات مفتوحة داخل المدينة.
وتتوسط المدينة كنيسة بازيليكية تطل على أحد الشوارع الرئيسية، مما يعكس الدور الديني والاجتماعي الذي كانت تؤديه الكنيسة داخل المجتمع المحلي في العصر البيزنطي، كما يكشف عن مستوى متقدم من التنظيم العمراني.
وقال الدكتور محمود مسعود، مدير عام آثار الداخلة ورئيس البعثة، إن المدينة تضم عناصر معمارية متكاملة لمجتمع سكني واضح المعالم، بما في ذلك الكنيسة البازيليكية التي تعود إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، بالإضافة إلى بقايا برجين للمراقبة عند أطراف المدينة.
وأشار إلى أن البعثة كشفت أيضًا عن حصن ذي أسوار سميكة وعدد من المنازل التي تضم صالات واسعة وأسقفًا مقبية، فضلًا عن أفران للخبز ومطابخ وأدوات لطحن الغلال. هذه العناصر ترسم صورة دقيقة للحياة اليومية داخل واحة الداخلة خلال العصر البيزنطي.
وأوضح مدير عام آثار الداخلة أنه وفقًا للتسلسل الزمني للموقع، يُعتبر منزل “تابيبوس” من أقدم المباني المكتشفة والذي يعود لبدايات القرن الرابع الميلادي ويُرجح أنه استُخدم ككنيسة منزلية قبل تشييد الكنيسة البازيليكية. وفي منتصف القرن الرابع الميلادي أُنشئت الكنيسة البازيليكية كمركز ديني رئيسي داخل عين السبيل. لاحقًا ظهر منزل “تيسوس” شماس الكنيسة والذي يعود للنصف الثاني من القرن الرابع الميلادي مما يعكس تطور البنية الدينية والاجتماعية للمدينة.
وأسفرت أعمال الحفائر عن العثور على مجموعة متميزة من اللقى الأثرية التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية للسكان مثل أوانٍ فخارية للاستخدام المنزلي وقنينات لحفظ الزيوت والعطور ومسارج للإضاءة بالإضافة إلى أدوات حجرية لطحن الغلال.
وقال الدكتور زهران، مدير إدارة الحفائر بقطاع الآثار الإسلامية والقبطية، إن من أبرز المكتشفات نحو 200 قطعة من الأوستراكا المدونة باللغتين القبطية واليونانية والتي وثقت معاملات البيع والشراء والمراسلات وتفاصيل الحياة اليومية داخل المدينة. كما كشفت البعثة عن عدد كبير من العملات البرونزية بحالة حفظ جيدة تحمل صورًا للأباطرة البيزنطيين وكتابات لاتينية ورموزًا مسيحية بالإضافة إلى عملات ذهبية تعود لعصر الإمبراطور البيزنطي قسطنطيوس الثاني الذي حكم الإمبراطورية بين عامي 337 و361 ميلادية.
وأكد الدكتور زهران أن هذه العملات تمثل مادة علمية مهمة لفهم الأنشطة الاقتصادية داخل المدينة وتساهم في تأريخ مراحل الاستيطان بموقع عين السبيل خلال العصر البيزنطي.