أحسنت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي عندما قبلت استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصب وزيرة الثقافة فور تقديمها، إلا أن عالم السياسة يختلف عن عالم الإدارة، حيث إن الاستقالات ليست مجرد إجراء إداري لإنهاء العلاقة بين مسؤول ومؤسسة، بل تعكس اعترافًا ضمنيًا بوجود خلل في العلاقة بين المسؤول والرأي العام.
صحيح أن حكم القضاء والاستقالة أغلقا الملف الشخصي لوزيرة الثقافة، لكنهما فتحا ملفًا أكبر وأعمق يتعلق بالملف العام. لم يعد السؤال حول خطأ الدكتورة جيهان مهمًا، فكيف انتهكت حقوق الملكية الفكرية لمؤلفة أخرى في كتابها، بل السؤال الأهم هو: كيف وصلت هذه الأزمة إلى واجهة المشهد العام؟
لا يقاس نجاح منظومة اختيار القيادات في الدولة الحديثة فقط بقدرة المسؤول على أداء مهامه، وإنما أيضًا بقدرة المؤسسات على اكتشاف المخاطر المحتملة قبل أن تتحول إلى أزمات عامة. فالمسؤول لا يصل إلى منصبه الرسمي منفردًا، بل يسبقه ملف كامل من المعلومات والتقييمات والمراجعات. هناك دائمًا من يقرأ ويستفسر ويرفع التوصيات إلى دوائر اتخاذ القرار.
تكتسب أزمة الدكتورة جيهان زكي بعدها السياسي، لأن القضية التي خسرتها أمام القضاء لم تنشأ بعد دخولها الوزارة، بل كانت شائعة ومحل نزاع قضائي قبل توليها المنصب الرفيع. وهذا يطرح تساؤلات تتجاوز الشخص إلى المسار الذي أدى لاختيارها.
وأمامنا احتمالان لا ثالث لهما: الأول هو أن الجهات المعنية كانت على علم كامل بالقضية وملابساتها القانونية والإعلامية. فإذا صح ذلك، فإن الاختيار لم يكن نتيجة نقص معلومات، وإنما تقدير غير دقيق للمخاطر؛ ربما اعتقد البعض أن القضية لن تصل إلى هذه النقطة أو أن تداعياتها محدودة أو أن الكفاءة المهنية للمرشحة تفوق أي مخاطر.
أما الاحتمال الثاني فهو أن المعلومات لم تُعرض بصورة متكاملة أو أن تقييم هذه المعلومات كان أقل من وزنها الصحيح كما لو كانت القضية ضدها سهلة وسيتم كسبها!
في الحالتين لا يتعلق السؤال بالوزيرة وحدها بل بالمسار الذي أوصلها إلى المقعد الوزاري. فالأزمات السياسية نادرا ما تكون نتيجة لقرار فردي وغالبًا ما تكون حصيلة سلسلة طويلة من قرارات صغيرة تبدو معقولة في لحظة اتخاذها، والنتائج فقط هي التي تكشف عوارها لاحقًا!
من اللافت أن بيان الاستقالة حمل دلالة سياسية مهمة؛ فالحديث عن احترام أحكام القضاء ورفع الحرج عن الحكومة يعني أن الأزمة تجاوزت الشق القانوني إلى الصورة العامة للحكومة. وعندما يصبح بقاء مسؤول ما عبئًا أمام الرأي العام، تتحول الاستقالة إلى أداة لاحتواء الضرر وإعادة ضبط المشهد!
غير أن احتواء الضرر يختلف عن تفسير أسبابه. فالاستقالة قد تسحب عنصر التوتر من المشهد لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي ولدت الأزمة مثل: ما هي معايير الاختيار في المناصب العامة؟ ما الوزن الحقيقي للكفاءة المهنية مقارنة بسمعة الشخص العامة؟ هل يكفي أن يكون المسؤول قادرًا على أداء مهمته أم يجب أيضًا أن يكون بعيدًا عن أي مهاترات تؤثر على أدائه؟
هذه الأسئلة لا تخص وزارة الثقافة وحدها ولا تتعلق بهذه الواقعة حصريًا؛ إنها أسئلة تمس فلسفة الإدارة الحكومية بأسرها. فالدولة الحديثة تحتاج ليس فقط إلى أصحاب الخبرات بل أيضًا إلى شخصيات قادرة على أداء أدوارها دون أن تتحول إلى مصدر جدل دائم يستهلك الجهد والطاقة ويصرف الانتباه عن الملفات الأساسية.
هناك زاوية أخرى قلما تحظى بالانتباه الكافي؛ فالأزمة تكشف التوتر الدائم بين منطق السياسة ومنطق الإدارة. الإدارة تبحث غالبًا عن الكفاءة والخبرة بينما تنشغل السياسة بحسابات الثقة العامة والقدوة والصورة الذهنية. وقد يكون المرشح لمنصب ما صاحب سيرة أكاديمية أو مهنية بارزة لكن وجود ملف خلافي أو نزاع قانوني مرتبط باسمه يفرض أسئلة إضافية حول كلفة اختياره والجدل الذي قد يُثار حوله وأثره على المؤسسة التي يمثلها!
يمكن القول إن الاستقالة أغلقت بابًا لكنها فتحت نافذة واسعة؛ أغلقت باب الجدل حول استمرار الوزيرة في موقعها لكنها فتحت نافذة على أسئلة تتعلق بكيفية صناعة النخبة الإدارية وكيف تُقرأ الملفات وكيف تُوزن المخاطر وكيف تصل التوصيات إلى مراكز صناعة القرار؟
إجابة هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الأزمة مجرد حادثة عابرة في السجل السياسي أم أنها لحظة مراجعة مؤسسية أعمق من شخص الوزيرة والقضية نفسها.
غير أن الأسئلة السياسية ليست سوى نصف الحكاية؛ فالقضية الأصلية تثير نقاشا ثقافيا وقانونيا لا يقل أهمية. فإذا كان الجدل السياسي قد انشغل بكيفية الاختيار فإن جوهر القضية يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد: أين تنتهي حدود الاقتباس المشروع وأين تبدأ منطقة الاعتداء على الملكية الفكرية؟
نغادر هنا عالم السياسة إلى منطقة أكثر تشابكًا تتقاطع فيها الثقافة بالقانون والإبداع بالحقوق وحرية الاستفادة من المعرفة بواجب إسناد الفضل لأصحابه.
من السهل أن تتحول القضايا الثقافية إلى معارك أشخاص؛ فالأسماء الكبيرة تجذب الأضواء بطبيعتها والجدل العام يميل للانشغال بمن ربح ومن خسر أكثر من انشغاله بالأفكار التي كشفتها الأزمة. لكن قضية جيهان زكي تكتسب أهميتها الحقيقية من زاوية أخرى؛ فهي أعادت سؤالاً قديماً ومتجدداً: ما الفرق بين الاقتباس والاستفادة المشروعة من أعمال الغير وبين الاعتداء على حقوقهم الفكرية؟
هذا السؤال ليس جديداً على الثقافة العربية ولا العالمية؛ فالكتابة بطبيعتها فعل تراكمي ولا يبدأ الكاتب من فراغ ولا يفكر الباحث خارج ما أنتجه السابقون. كل كتاب هو حوار مع كتب أخرى وكل فكرة جديدة تحمل في أعماقها قبساً من أفكار سبقتها ولذلك لم تكن المشكلة يومًا في الاستفادة من أعمال الآخرين بل في الطريقة التي تتم بها هذه الاستفادة.
فالاقتباس ليس عيباً بل ضرورة معرفية؛ الباحث الجاد يستشهد بالمراجع ويستعين بالنصوص السابقة ويبني فوقها أفكاره الجديدة غير أن هذا الحق يقابله واجب أخلاقي وقانوني واضح: أين يبدأ جهد الكاتب وأين ينتهي جهد الآخرين!
لهذا السبب لا تنظر قوانين الملكية الفكرية في العالم إلى مجرد وجود نصوص متشابهة وإنما إلى طبيعة هذا التشابه وحدوده وسياقه. فليست كل عبارة منقولة سرقة وليست كل فكرة مشتركة اعتداءً على حق إنما يصبح الأمر إشكاليًا عندما يختلط صوت الكاتب بصوت غيره لدرجة يصعب معها التمييز بين الأصل والفرع أو بين الإبداع الشخصي والإنتاج المستعار.
ومن هنا جاءت أهمية القضية الراهنة؛ فهي لم تحرك نقاشاً قانونياً فحسب بل أعادت تذكير الوسط الثقافي بأمر ربما أهملته سرعة النشر وكثافة الإنتاج في السنوات الأخيرة: الملكية الفكرية ليست مجرد نصوص قانونية تحفظ الحقوق عند النزاع بل هي ثقافة احترام تسبق اللجوء للمحاكم أساساً.
والسؤال هو: كيف نحافظ على انسياب المعرفة وفي الوقت نفسه نصون حقوق أصحابها؟
وفي تلك المسافة الدقيقة بين حرية الاقتباس وحقوق الملكية تُختبر أخلاق الكتابة قبل النصوص نفسها!

