مع اشتداد موجات الحر وارتفاع الضغط على شبكات الطاقة، تحولت أزمة انقطاع الكهرباء من مشكلة خدمية إلى شرارة احتجاجات تهز الشوارع في أربع دول، ثلاث منها عربية. ومع اتساع ساعات الظلام وتكرار أعطال الشبكات، يجد المواطنون أنفسهم أمام أزمة تتجاوز فقدان التيار إلى تعطيل الأعمال وتهديد الخدمات الأساسية وتفاقم الضغوط المعيشية. من شوارع فنزويلا التي عادت إليها الاحتجاجات، إلى العراق وتونس، وصولًا إلى ليبيا كأحدث المتضررين، يبقى المشهد واحدًا: كهرباء غائبة، حرارة خانقة، ومواطنون يخرجون إلى الشوارع.
فنزويلا.. الاحتجاجات تعود إلى الشوارع
شهدت فنزويلا خلال الأيام الماضية تصاعدًا ملحوظًا في الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتحسين إمدادات الكهرباء، بالتزامن مع تزايد فترات انقطاع التيار الكهربائي بصورة متكررة ومطولة ودون إنذار مسبق. وامتدت الأزمة إلى العاصمة كاراكاس، التي اعتادت الحكومة إعطاءها أولوية في إمدادات الطاقة مقارنة بمناطق أخرى تعاني منذ سنوات من نقص الكهرباء، مما منح الأزمة الأخيرة بعدًا أكثر حساسية بالنسبة للسلطات.
وفي ولاية كارابوبو، تحدث سكان مدينة فالنسيا والمناطق المحيطة بها عن انقطاعات طويلة ومتقطعة أثرت على حياتهم اليومية والأنشطة التجارية. إذ ترى السلطات المحلية أن إعادة تشغيل محطة تيرموكارابوبو الحرارية بكامل طاقتها يمكن أن تساعد في تخفيف الأزمة، بعدما تضررت المحطة جراء الزلازل التي ضربت البلاد، إلى جانب محطة بلانتا سينترو القريبة من مركز الزلزال الأول.
وبحسب وسائل إعلام محلية، لم يعد المواطنون ينظرون إلى الأزمة باعتبارها مشكلة مرتبطة بالكهرباء فقط؛ إذ باتت الانقطاعات الطويلة تؤثر على النوم والعمل والحياة اليومية وتزيد مشاعر القلق والإحباط، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة.
ليبيا.. الهجمات تضرب الكهرباء والنفط
وفي ليبيا، جاءت أزمة الكهرباء هذه المرة على خلفية التصعيد الأمني. فقد أعلنت الشركة العامة للكهرباء فجر اليوم الأربعاء أن هجومًا استهدف محطة جنوب الزاوية الفرعية، ما تسبب في انقطاع كامل للتيار وفقدان إمدادات الطاقة عن مناطق واسعة جنوب المدينة.
وأعلنت الشركة أن شركة جنرال إلكتريك الأمريكية أوقفت أعمالها في محطة الزاوية لتوليد الكهرباء وسحبت فرقها الفنية انتظارًا لتحسن الأوضاع الأمنية. مشيرة إلى أن أكثر من 700 ميجاوات من إجمالي القدرة الإنتاجية للمحطة البالغة نحو 1300 ميجاوات لا تزال خارج الخدمة.
وجاء الهجوم بعد ضربات بطائرات مسيرة محملة بالمتفجرات استهدفت خزانات وقود في مجمع الزاوية النفطي القريب الذي يضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا. ولم تتوقف التداعيات عند حدود الكهرباء؛ إذ أدى تجدد العنف في الزاوية إلى تهديد قطاع النفط. فيما حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من إمكانية إعلان حالة القوة القاهرة إذا استمرت الهجمات على منشآت وأصول الطاقة في المدينة.
العراق.. الكهرباء تشعل الشارع
أما العراق، فقد تحولت أزمة الكهرباء إلى احتجاجات في عدد من المناطق مع تزايد الضغوط على المواطنين بسبب سوء الخدمة خلال فصل الصيف. وشهدت مدينة الكوت مركز محافظة واسط احتجاجات واسعة للمطالبة بتحسين إمدادات الكهرباء وتوفير ظروف معيشية أفضل. وذلك بينما تواجه مناطق عراقية عديدة أزمة متكررة في تجهيز الطاقة.
وفي قضاء الفهود شرقي محافظة ذي قار جنوبي البلاد، خرج محتجون إلى الشوارع احتجاجًا على سوء التيار الكهربائي قبل أن تتصاعد حدة التحركات مع إقدام متظاهرين على قطع عدد من الطرق باستخدام الإطارات المشتعلة.
تونس.. موجة حر وانقطاعات تشعل الغضب
وفي تونس، سبق أن شهدت عدة مناطق احتجاجات ليلية على خلفية الانقطاعات المتكررة للكهرباء بالتزامن مع موجة حر شديدة. ما دفع مواطنين إلى تنظيم وقفات وتحركات أمام مقرات الشركة التونسية للكهرباء والغاز ومقار رسمية أخرى.
وتحدثت تقارير إعلامية محلية حينها عن تسجيل خمس وفيات عقب توقف أجهزة التنفس الاصطناعي عن العمل داخل منازل بعض المرضى؛ مما سلط الضوء على خطورة تداعيات انقطاع الكهرباء على الخدمات المرتبطة مباشرة بحياة المواطنين.
وفي خطوة غير معتادة، أعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز تطبيق نظام للقطع الدوري والمنظم للتيار في مناطق مختلفة من البلاد. وهو القرار الذي زاد من حدة الغضب الشعبي خاصة مع تزامن انقطاع الكهرباء في بعض المناطق مع توقف إمدادات المياه.
ومع ذلك أصبحت الأوضاع في تونس حاليًا أكثر استقرارًا مقارنة بالفترة التي شهدت ذروة الانقطاعات والاحتجاجات بينما تظل أزمة الطاقة واحدة من الملفات التي تفرض نفسها بقوة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
أزمة تتجاوز الظلام
وفي النهاية وبينما تبدو أسباب الأزمة مختلفة من بلد إلى آخر فإن النتيجة واحدة: مواطنون يجدون أنفسهم في مواجهة صيف قاسٍ بلا كهرباء مستقرة لتتحول ساعات الظلام إلى احتجاجات في الشوارع ومطالبات بالمساءلة وتحسين الخدمات. وتذكير جديد بأن أمن الطاقة أصبح جزءًا أساسيًا من الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

