بعد نحو ستة أشهر من النزاع، تواجه الولايات المتحدة وإيران مرحلة حساسة للغاية، حيث تبدو طهران غير مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة، في حين لا يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتى الآن القدرة على إنهاء المواجهة بشروطه. وبينما يتنقل بين التأكيد على أن إيران “تتوسل” من أجل اتفاق والتهديد باستئناف الضربات العسكرية، بدأت القيادة الإيرانية في بناء تصور جديد للمرحلة المقبلة يعتمد على الاستعداد للعودة إلى القتال، مع إمكانية نقل المواجهة من موقع الدفاع إلى الهجوم في حال فشلت المفاوضات.

وفقًا لتقرير نشرته شبكة “سي إن إن” بعنوان “أحدث تحذير إيراني للولايات المتحدة يشير إلى أن المتشددين لم يبدأوا بعد”، فإن تغير استراتيجية طهران لا يعني بالضرورة أنها اختارت الحرب الشاملة، بقدر ما يشير إلى رغبتها في دخول أي مفاوضات مقبلة وهي تمتلك أوراق ضغط عسكرية وأمنية أكبر. العقيدة الجديدة التي يجري الترويج لها داخل إيران تقوم على الجمع بين الدفاع عن الأراضي الإيرانية والاستعداد لتنفيذ “عمليات هجومية” ضد الخصوم، بما في ذلك نقل العمليات إلى خارج الحدود.

يأتي هذا التحول بعد انتهاء مهلة مذكرة التفاهم المقدرة بـ60 يومًا حسب الاتفاقية بين واشنطن وطهران التي كانت تهدف إلى إنهاء النزاع.

الاستعداد للحرب.. أم ورقة تفاوض؟

يعتقد قادة عسكريون إيرانيون أن بلادهم أصبحت في وضع يسمح لها بانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة، خاصة بعد قدرتها على الصمود أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية وتطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة خلال فترة النزاع.

قال سينا أزودي، الأستاذ المساعد في السياسة الشرق أوسطية بجامعة جورج واشنطن، إن محسن رضائي، الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ينتمي إلى تيار داخل الحرس الثوري يرى أن الطريق للحصول على تنازلات أمريكية يمر عبر استمرار القتال والضغط على واشنطن وإلحاق “قدر ثابت من الألم” بترامب.

عقيدة هجومية جديدة

بحسب التقرير، برزت مؤشرات هذا التحول مع المراسيم التي صدرت باسم المرشد الأعلى مجتبى خامنئي والتي أعادت تنظيم القيادة الأمنية والعسكرية الإيرانية.

قال محمد مخبر، مستشار خامنئي، إن تحويل الحرب إلى وضع هجومي إذا لم تُلبَّ شروط إيران “سيغير بلا شك موازين القوى في العالم”. كما أكد مرسوم تعيين أحمد وحيدي قائدًا للحرس الثوري الإيراني على ضرورة رفع الاستعداد لـ”عمليات هجومية قوية ضد العدو”.

من جانبه، يرى حميد رضا عزيزي، الباحث في معهد كلينغندايل الهولندي، أن مهمة وحيدي تتمثل بوضوح في مراجعة الاستراتيجية العسكرية الإيرانية باتجاه أكثر حزمًا وهجومًا.

بعد أيام قليلة من ذلك، قال العميد يد الله جواني، نائب قائد الحرس الثوري للشؤون السياسية، إن أفعال إيران دفاعية لكنه أقر بإمكانية اتخاذ جانب هجومي في المستقبل.

أما محمد رضا نقدي، أحد مستشاري وحيدي، فأكد أن الحرس الثوري يعمل على تطوير القدرة على تنفيذ عمليات “على أرض العدو”. وأشار إلى ضرورة أن تكون إيران قادرة على نقل عملياتها إلى أراضي الخصوم عند الحاجة وصدور القرار.

تشير هذه العقيدة إلى إمكانية استهداف منشآت ومصالح عسكرية أمريكية مجددًا في المنطقة مستفيدة من تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والتكتيكات غير التقليدية.

لماذا قد تختار إيران الحرب؟

يرى محللون أن القيادة الإيرانية قد تعتبر تكلفة الحرب الجديدة أقل من تكلفة الاستنزاف البطيء لقدراتها تحت ضغط العقوبات والحصار.

يعتقد حميد رضا عزيزي أن استمرار حالة “لا حرب ولا سلام” مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية قد يدفع طهران إلى التصعيد للضغط على ترامب لرفع الحصار البحري أو قبول اتفاق بشروط أكثر ملاءمة لإيران.

كما قال تريتا بارسي من معهد كوينسي للحكم المسؤول إن طهران تعتقد أنها تمتلك تفوقًا عسكريًا وتناقش علنًا الانتقال من مجرد الرد على الهجمات الأمريكية إلى المبادرة بالهجوم. وبحسب هذا التصور لا تريد إيران التأثير فقط في نطاق الحرب وجغرافيتها بل أيضًا في توقيتها.

هرمز والنفط.. حرب دون مواجهة شاملة

بحسب المحللين لا تقتصر الخيارات الإيرانية على الضربات العسكرية المباشرة؛ فاستهداف ناقلات النفط أو تهديد الملاحة في الخليج يمثل وسيلة ضغط أقل تكلفة من الدخول في حرب شاملة ويمكن أن يؤدي إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة وزيادة الضغوط الاقتصادية على خصوم طهران.

استُهدفت خلال الأسابيع الأخيرة عدة ناقلات تابعة لشركة أدنوك الإماراتية الحكومية فيما تحدث مسؤولون في الحرس الثوري عن تخريب كابلات بحرية تمر عبر الخليج كنوع آخر من صور الحرب غير المتكافئة.

يبقى مضيق هرمز ورقة رئيسية في الحسابات الإيرانية؛ إذ ترى طهران أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة والطاقة تمنحها نفوذًا مهمًا أمام واشنطن ودول الخليج.

الوكلاء ما زالوا جزءًا من المعادلة

رغم الحديث عن تعزيز القدرات العسكرية الإيرانية المباشرة لا يعني ذلك أن طهران ستتخلى عن حلفائها الإقليميين. لا تزال إيران تستثمر في دعم الحوثيين بالخبرات والمعلومات الاستخباراتية بينما يحتفظ العراق بمكانة محورية في الصراع بين طهران وواشنطن.

جاءت زيارة رئيس البرلمان الإيراني إلى بغداد في وقت بدأت فيه الحكومة العراقية تحت ضغط أمريكي تحركات لنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران ودمجها ضمن القوات النظامية.

ويرى محللون أنه من غير المرجح أن تتخلى طهران عن شبكة نفوذها الإقليمية حتى مع تعرض بعض حلفائها للضعف خلال السنوات الأخيرة.

هل تريد إيران الحرب؟

لا تشير المؤشرات إلى أن طهران اتخذت قرارًا نهائيًا بالعودة إلى حرب شاملة ولكنها توضح أنها تستعد لاحتمال الحرب ولا ترغب في استبعادها كخيار متاح وفق ما ذكره تقرير “سي إن إن”.

فالقيادة الإيرانية تعيد تنظيم مؤسساتها العسكرية وتطور الصواريخ والطائرات المسيّرة وتبحث عن قدرة أكبر لتنفيذ عمليات خارج الحدود بينما تحافظ أيضًا على شبكة حلفائها الإقليميين وأوراق الضغط المرتبطة بالطاقة والملاحة.

وهكذا فإن السؤال المطروح لم يعد فقط ما إذا كانت إيران تريد العودة إلى الحرب وإنما ما إذا كانت طهران ترى أن التهديد بالعودة إليها قد يكون أكثر فائدة من خوضها بالفعل. تبدو إيران مستعدة للحرب وتعمل على تطوير أدواتها لخوضها بصورة مختلفة لكنها ترغب أيضًا استخدام هذا الاستعداد كورقة تفاوضية لفرض شروط أفضل على واشنطن.