لم تكن الصدمة في العثور على جثمان سيدة مسنّة مدفونًا أسفل أرضية غرفة نومها فحسب، بل كانت في السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف استطاع ابنها العيش داخل الشقة نفسها لمدة عامين، بينما يعرف أن جثة والدته ترقد أسفل قدميه؟
عامان كاملان مرّا على الواقعة بحي الزيتون بمحافظة القاهرة، والمتهم يدخل شقته ويخرج منها، يأكل ويشرب وينام ويمارس حياته بصورة تبدو طبيعية، بينما يحمل وحده سرًا لا يعرفه من حوله.
من مسرح جريمة إلى منزل هادئ.
وبحسب ما أدلى به المتهم خلال التحقيقات، لم يشعر بالخوف من وجود جثمان والدته داخل الشقة. لم يكن وجودها المدفون أسفل أرضية غرفة النوم يمنعه من ممارسة حياته اليومية، وكأن المكان لم يتحول في نظره إلى مسرح لجريمة، وإنما ظل منزلًا يعيش فيه بصورة عادية.
مكنتش بخاف وأنا في الشقة؟
أحد الأسئلة التي فرضت نفسها على جهات التحقيق كان: كيف كنت تستطيع النوم داخل الشقة وأنت تعرف أن جثة والدتك مدفونة أسفل أرضية غرفة النوم؟
جاءت إجابة المتهم بأنه لم يكن يشعر بالخوف، وأنه اعتاد وجود الجثمان داخل المكان.
كنت بتنام في نفس المكان؟
سؤال آخر كان منطقيًا أمام جهات التحقيق: هل كنت تستطيع النوم بصورة طبيعية رغم معرفتك بما تخفيه أرضية الغرفة؟
بحسب روايته بالتحقيقات، لم يكن وجود الجثمان يمنعه من النوم أو يدفعه إلى مغادرة الشقة. استمر في حياته اليومية داخل المكان نفسه.
ولم تكن الغرفة بالنسبة إليه مكانًا يخشى دخوله. ولم يذكر أنه كان يترك المنزل ليلًا هربًا من الخوف، وإنما ظل يتعامل مع الشقة باعتبارها مكان إقامته المعتاد.
عامان من الحياة فوق الجثمان.
المشهد الأكثر قسوة في الواقعة لم يكن لحظة دفن الجثمان فقط، بل الأيام والشهور والسنوات التي تلتها.
كل كوب ماء شربه المتهم وكل وجبة تناولها وكل ليلة نام فيها كانت تجري داخل الشقة التي أخفى فيها جثمان والدته.
كان يسمع أسئلة الجيران عنها ويرد بأنها “نزلت البلد ومرجعتش”، ثم يعود إلى منزله الذي يعرف الحقيقة كاملة.
كنت بقول لنفسي إني ماكنتش أقصد.
اعتمد المتهم في مواجهة شعوره بالخوف والذنب على تبرير ما حدث لنفسه، مرددًا أنه لم يكن يقصد قتل والدته وأن ما حدث بدأ بمشادة واعتداء انتهى بوفاتها بعدما سقطت على الأرض.
ومع تكرار هذا التبرير، بدأ يتعامل مع الواقعة باعتبارها حدثًا غير مقصود بدلًا من مواجهة حقيقة أنه أخفى جثمان والدته داخل منزله.
كيف تحول الرعب إلى حياة عادية؟
طبقًا لأقوال المتهم بالتحقيقات، في الأسبوع الأول كان يخشى النوم ويحاول مغادرة المنزل. لكن بعد ذلك أصبح قادرًا على البقاء داخله يأكل ويشرب وينام بينما جثمان والدته مدفون أسفل أرضية غرفة النوم.
لم يعد الخوف يمنعه من دخول الشقة ولم يعد وجود الجثمان سببًا لهروبه منها بعدما أقنع نفسه بأنه لم يكن يقصد أن تنتهي المشاجرة بوفاتها.
بلاغ الغياب يقود إلى الحقيقة.
تم كشف الواقعة عندما تلقى قسم شرطة الزيتون بمديرية أمن القاهرة بلاغا من مندوب مبيعات أفاد فيه بغياب خالته البالغة من العمر 75 عامًا والتي كانت تقيم برفقة ابنها داخل شقتهما.
وعلى الفور انتقلت الأجهزة الأمنية إلى محل إقامة السيدة وبسؤال ابنها حاول إبعاد الشبهة عنه مؤكدًا أن والدته توجهت إلى أحد أقاربها في البلد ولم تعد.
لكن التحريات كشفت عن وقائع سابقة لتعديه على والدته بالضرب مما دفع الجهات الأمنية للتوجه نحو الاشتباه به. وبإعادة مناقشته ومواجهته بما توصلت إليه التحريات انهارت روايته واعترف بما حدث.
الأسمنت يخفي السر لعامين.
وبتفتيش ومعاينة الشقة عثرت الأجهزة الأمنية داخل غرفة النوم على بناء بالطوب بشكل مستطيل مغطى بطبقة سميكة من الأسمنت. وبإزالة الطبقة الأسمنتية ظهرت المفاجأة: العثور على بقايا جثة السيدة في حالة تحلل كامل وأسفلها كراتين لينكشف بذلك سر ظلت أرضية غرفة النوم تخفيه لنحو عامين.
وتحرر المحضر اللازم وأخطرت النيابة العامة التي تولت التحقيقات.

