تشهد محافظة البحيرة مرحلة جديدة من التنمية الشاملة، ترتكز على الاستثمار في الإنسان باعتباره محور التنمية الحقيقي. يتم ذلك من خلال تنفيذ مشروعات نوعية تستهدف تطوير البنية الثقافية والعلمية، والحفاظ على التراث، ودعم الإبداع، وتسريع وتيرة التحول الرقمي، وذلك في إطار رؤية متكاملة تتماشى مع توجهات الدولة لبناء مجتمع المعرفة وتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030.
تعكس التحركات التي تقودها الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، اهتمامًا واضحًا بإعادة إحياء الصروح الثقافية والعلمية بالمحافظة. ولا يقتصر الأمر على تطوير المباني فحسب، بل يشمل إعادة صياغة دورها لتصبح مراكز فاعلة في نشر المعرفة وتنمية المواهب وتأهيل الشباب وتقديم خدمات ثقافية وتدريبية تواكب متطلبات العصر.
إحياء مكتبة البلدية: إنقاذ كنوز عمرها نحو قرن
يمثل مشروع إحياء مكتبة البلدية بدمنهور إحدى أهم المبادرات الثقافية التي تشهدها المحافظة حاليًا. فقد جرى توقيع بروتوكول تعاون بين محافظة البحيرة ودار الكتب والوثائق القومية بحضور الدكتورة جاكلين عازر والدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، بهدف إنقاذ أحد أعرق الصروح الثقافية وإعادته إلى مكانته التاريخية.
تأسست مكتبة البلدية عام 1930 عندما افتتحها الملك فؤاد داخل مبنى البلدية بدمنهور بالتزامن مع إنشاء دار الأوبرا. وظلت لعقود من الزمن واحدة من أهم المكتبات العامة في دلتا مصر قبل أن تُنقل مقتنياتها إلى مجمع دمنهور للثقافة والفنون عقب تطوير المبنى عام 2009. ورغم ما تضمه المكتبة من مقتنيات نادرة ذات قيمة تاريخية وعلمية كبيرة، تعرضت محتوياتها للإهمال نتيجة ظروف التخزين غير الملائمة.
تحتوي المكتبة على مجموعة متميزة من أمهات الكتب والمخطوطات التاريخية والخرائط والوثائق الرسمية والكتالوجات وألبومات الصور والدوريات القديمة مما يجعلها واحدة من أهم المكتبات التراثية بالمحافظة.
تشمل خطة التطوير تنفيذ أعمال تعقيم وترميم للمقتنيات النادرة يليها فهرسة وتصنيف المحتويات وفق أحدث النظم العلمية. كما يتم إعداد قاعات عرض واطلاع حديثة وتدريب العاملين على أساليب حفظ الوثائق والمخطوطات لضمان الحفاظ على هذا الإرث الثقافي وإتاحته للباحثين والطلاب والأجيال المقبلة.
مجمع دمنهور للثقافة والفنون: وجهة للإبداع والفعاليات الكبرى
في الوقت نفسه، يشهد مجمع دمنهور للثقافة والفنون أكبر عملية تطوير منذ إنشائه ضمن خطة شاملة تهدف إلى إعادة تقديمه كأحد أهم الصروح الثقافية في مصر. سيتحول المجمع إلى مركز متكامل للإبداع واستضافة الفعاليات الفنية والثقافية على المستويات المحلية والعربية والدولية.
تشمل أعمال التطوير تحديث المسرح الرئيسي بالكامل عبر تحسين منظومتي الصوت والإضاءة بأحدث التقنيات العالمية وتجديد فرش المسرح والمقاعد بالإضافة إلى تطوير قاعة الباليه وتجهيزها بأحدث الأرضيات والمعدات اللازمة لرعاية وتنمية المواهب.
كما تتضمن الأعمال إحلال وتجديد غرف الكواليس وتحديث منظومة التكييف المركزي ورفع كفاءة جميع الخدمات والتجهيزات الداخلية مع الحفاظ على الطابع المعماري المميز للمجمع. ومن المتوقع بعد الانتهاء من أعمال التطوير أن يصبح المجمع قادرًا على استضافة الحفلات الغنائية الكبرى والعروض المسرحية والأوركسترا السيمفونية والمهرجانات الدولية مما يعزز مكانة محافظة البحيرة على خريطة الفعاليات الثقافية والفنية ويعيد للمجمع دوره التاريخي كمنارة للإبداع ونشر الفنون.
مركز الحاسب الآلي: بوابة البحيرة نحو المستقبل الرقمي
بالتوازي مع تطوير البنية الثقافية، تواصل المحافظة تنفيذ خطة طموحة لتطوير مركز تدريب علوم الحاسب الآلي بدمنهور وتحويله إلى مركز إقليمي متكامل للتدريب والتحول الرقمي يسهم في إعداد كوادر مؤهلة لسوق العمل ودعم خطط الدولة في التحول الرقمي.
يُعتبر المركز من أقدم المراكز التدريبية بالمحافظة حيث تم إنشاؤه في أوائل تسعينيات القرن الماضي وأسهم عبر السنوات في تدريب أعداد كبيرة من العاملين والطلاب والخريجين. يشهد المركز حاليًا عملية تطوير شاملة لإعادته بصورة عصرية تتماشى مع التطورات المتسارعة في مجالات تكنولوجيا المعلومات.
ترتكز خطة التطوير على محورين رئيسيين؛ يتمثل الأول في تطوير البنية التحتية عبر تحديث المبنى وتجهيز القاعات التدريبية بأحدث أجهزة الحاسب وتطوير شبكات الاتصالات وإنشاء مساحات عمل حديثة وقاعات متعددة الاستخدامات مع استكمال إجراءات اعتماد المركز كمقدم لخدمات التدريب الحكومية.
أما المحور الثاني، فيستهدف التوسع المؤسسي عبر عقد شراكات مع الوزارات والجامعات والقطاع الخاص وتنفيذ برامج تدريبية للعاملين بالجهاز الإداري للدولة بالإضافة إلى تقديم برامج ومنح تدريبية للطلاب وحديثي التخرج لتأهيلهم لسوق العمل.
تشمل الخطة أيضًا إطلاق النادي الصيفي لتنمية مهارات الطلاب في مجالات الذكاء الاصطناعي والبرمجة وريادة الأعمال وإنشاء فريق متخصص لصيانة أجهزة الحاسب والطابعات بالإضافة إلى تطوير وحدة البرمجيات لإنتاج تطبيقات وحلول رقمية تخدم الجهات الحكومية وتوفر موردًا ماليًا مستدامًا للمركز مع إتاحة الفرصة أمام الشباب لاكتساب الخبرات العملية.
رؤية متكاملة لبناء الإنسان
تؤكد هذه المشروعات أن محافظة البحيرة لا تقتصر فقط على تطوير المنشآت بل تتبنى رؤية متكاملة تهدف إلى بناء الإنسان عبر الجمع بين الحفاظ على التراث الثقافي وتوفير بيئة داعمة للإبداع وتطوير المهارات الرقمية مما يسهم في إعداد أجيال تمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار والمنافسة.
وأشارت الدكتورة جاكلين عازر محافظ البحيرة إلى أن هذه المشروعات تستثمر في الثقافة والعلم والتكنولوجيا وتعمل على تحويل صروح المحافظة التاريخية والعلمية إلى مراكز نابضة بالحياة تخدم المجتمع وتعزز الهوية الوطنية وتدعم مسيرة التنمية المستدامة لتصبح نموذجًا ناجحًا في توظيف الثقافة والمعرفة لبناء مستقبل أكثر إشراقًا.

