لم يكن الفن التشكيلي يومًا زائرًا عابرًا في حياتي، وإن لم أحترفه أو أدخل محرابه ناقدًا أكاديميًا، اقتربت منه بوصفه قارئًا بصريًا يتأمل اللوحة كما يتأمل النص، وينصت إلى حوار اللون والظل والفراغ، مثلما ينصت إلى موسيقى الكلمات وما تخفيه بين سطورها.

بدأت علاقتي بالفن في سنوات التلمذة الأولى من عشقي للخط العربي ومحاولاتي تعلمه. أسرني ذلك الفن البديع الذي يحوّل الحرف من أداة للكتابة إلى كائن جمالي؛ ينحني ويستقيم، يمتد وينكمش، يمتلئ بالمعنى ثم يترك للفراغ من حوله أن يكمل ما لم يقله.

علّمني الخط، قبل أن أعرف نظريات الفن، أن الجمال يقوم على التوازن، وأن الفراغ ليس مساحة مهملة، بل عنصرًا من عناصر التكوين، وأن العين قد تقرأ الكلمة قبل أن يدرك العقل معناها.

ومن هناك بدأت محاولاتي لتطوير ذائقتي بالدراسة الحرة، لا طلبًا لاحتراف الرسم، بل رغبة في امتلاك عين أكثر قدرة على الرؤية.

لكن الكتابة السياسية أخذتني مبكرًا إلى عوالمها الصاخبة. الأحداث المتلاحقة والحروب والتحولات والأسئلة الكبرى التي لا تمنح الكاتب فرصة طويلة لالتقاط أنفاسه جذبتني بعيدًا عن التناول المنتظم للفن، لكنها لم تستطع أن تنتزع شغفي به.

ظل الفن حاضرًا في مكان عميق من الروح، أعود إليه كلما اشتد ضجيج السياسة، لا هربًا من قضايا العالم، بل حتى لا تبتلع السياسة ما تبقى في داخلنا من قدرة على التأمل والدهشة.

حين كانت الصفحة لوحة

حين التقيت في بيروت الفنان المصري الكبير عبد المنعم القصاص، انتقلت علاقتي بالفن إلى مساحة جديدة.

علّمني فنون الإخراج الصحفي وفتح عيني على الصفحة باعتبارها لوحة لها مركز بصري وإيقاع ومساحات صمت، مثلما لها عناوين وصور ونصوص.

منذ ذلك الوقت لم يعد الإخراج عندي ترتيبًا ميكانيكيًا للمواد الصحفية بل بناءً بصريًا يشارك في إنتاج المعنى ويوجه عين القارئ من مدخل الصفحة إلى تفاصيلها ويمنح النص فضاءه وإيقاعه الخاص.

وعندما انتقلت إلى سوريا التحقت بأحد المعاهد الخاصة لدراسة الرسم دراسة حرة. كان ذلك في ثمانينيات القرن الماضي قبل الطفرة التكنولوجية التي غيّرت عالم الصحافة والإخراج وقبل أن تتولى البرامج الحديثة جانبًا كبيرًا مما كانت تنجزه العين واليد والخيال.

أسهمت تلك الدراسة في تطوير قدراتي في إخراج المجلات وتصميم أغلفتها. وكنت أحيانًا أرسم وحدات زخرفية مستوحاة من قصة أو قصيدة منشورة وأضعها إلى جوار النص لا باعتبارها زينة منفصلة عنه بل صدى بصريًّا له ومحاولة لمدّ جسر بين الكلمة والصورة.

ومن مفارقات الحياة أن زوجتي الأولى كانت ابنة فنان تشكيلي سوري تخرّج في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ثم كانت زوجتي الثانية فنانة مصرية وخريجة كلية الفنون الجميلة؛ كأن الفن أصرّ على ألا يبقى شغفًا شخصيًا بعيدًا بل أن يحيط بحياتي ويطلّ عليّ من أكثر من نافذة.

لهذا حرصت وسط ضغوط الصحافة والنشر والإعلام على زيارة المعارض الفنية. لم تكن زيارة المعرض بالنسبة إليّ نزهة بصرية فحسب بل استراحة وجدانية وروحية؛ أخرج فيها من صرامة الخبر إلى رحابة الخيال ومن اللغة التي تلاحق النزاعات إلى لغة لا تحتاج إلى ضجيج كي تقول الكثير.

ومع تقدم العمر تراجعت زياراتي إلى المعارض لكن علاقتي بالفن لم تنقطع. أتابع ما يتاح لي وأكتب حين يوقظ فنان أو معرض ذلك الشغف القديم. ومن هنا استوقفني خبر المعرض الاستعادي للفنانة المصرية نشوى عمران في فيينا. جذبتني لوحاتها أولاً ثم لفتني أن سفارتنا في النمسا تحتضن معرضاً يستعيد البيئة الشعبية المصرية ووجوه أبنائها وحِرفها التي أوشك بعضها على الغياب.

نشوى عمران.. حين يصبح التوثيق فعل محبة

يضم المعرض الذي يحمل عنوان «مزرعة الحيوان» سبع وأربعين لوحة زيتية على القماش أنجزت بتقنية الرسم المباشر ويقام في الملحق الثقافي للسفارة المصرية بالنمسا خلال الفترة من العشرين من يوليو حتى الثالث من أغسطس.

وتستحق هذه المبادرة تحية خاصة للسفير محمد نصر سفير مصر لدى النمسا وللقائمين على الملحق الثقافي؛ لأن السفارة لا تستكمل رسالتها حين تكتفي بالتمثيل السياسي والقنصلي بل حين تتحول أيضًا إلى نافذة تطل منها ثقافة مصر وفنونها وذاكرتها على العالم.

فالقوة الناعمة ليست تعبيراً للاستهلاك في الخطب وإنما فعل ثقافي متصل: لوحة تسافر وكتاب يُترجم وفيلم يُعرض وموسيقى تعبر الحدود وفنان يجد في سفارة بلاده فضاءً يقدم فيه تجربته إلى جمهور جديد. وكم نحتاج إلى أن تحذو سفارات مصر الأخرى حذو سفارتنا في فيينا وأن تفتح جدرانها للمبدعين المصريين الذين يحفظون بالفن ما تهدده سرعة التحولات بالنسيان.

ونشوى عمران ليست مجرد فنانة تقدم مجموعة من اللوحات بل صاحبة تجربة تتجاور فيها الفنون والإعلام والتعليم والتوثيق.

درست تصميم الأزياء في الفنون التطبيقية والتصوير في الفنون الجميلة وهي عضو نقابة الفنانين التشكيليين.

كما أدارت تجربة لتعليم الرسم الواقعي في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية وخاضت تجربة إعلامية في رسم بورتريهات حية للنجوم بالإضافة إلى كتابتها مقالات توثق حياة عدد من الفنانين.

لا تبدو هذه المسارات المتعددة تشتتاً بل تكشف عن شخصية فنية ثرية تتغذى موهبتها من أكثر من منبع؛ فدراسة الأزياء تمنحها حساسية تجاه الخطوط والملامس ودراسة التصوير تضبط بناء اللوحة والرسم الحي يدرب عينها على التقاط الانفعالات فيما تمنحها الكتابة قدرة على اكتشاف الحكاية الكامنة خلف الوجه.

وفي حدود الصور التي أتيحت لي تبدو الواقعية لدى نشوى عمران أبعد من مجرد محاكاة أمينة للمشهد؛ إنها وسيلة لاسترداد عالم يتراجع من حولنا. فهي لا ترسم الحرفي لتسجل ملامحه وحدها بل ترسم علاقته بأدواته ومكانه والزمن الذي انطبع على وجهه ويديه.