افتقد الشعب دور المجالس الشعبية المحلية على مدار 12 عامًا، حتى كاد الناس أن ينسوها! ثم جاء الفرج أخيرًا بتوجيه من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي. ورغم الصلاحيات الضئيلة للمجالس الشعبية المحلية، إلا أن وجودها مهم في تصويب مسار العمل بوحدات الإدارة المحلية.
في جلسة مجلس الشورى رقم 85 المنعقدة بتاريخ 28 يونيو عام 2006 لمناقشة التعديلات الدستورية، قلت بالحرف الواحد: لو أمطرت السماء ذهبًا على مصر دون إصلاح نظام الإدارة المحلية فلن تتحسن جودة حياة المواطن المصري.. واليوم أعيد التأكيد على هذا.
واغفر لي أيها القارئ الكريم صراحتي عندما أصدمك وأقول لك إن نظام الإدارة المحلية المطبق في مصر منذ إصدار القانون رقم 124 لسنة 1960 وما أدخل عليه من تعديلات عديدة إلى يومنا هذا، وحتى إصدار القانون الذي يناقشه البرلمان حاليًا ولم يصدر بعد، أقول بأعلى صوت إنها ليست إدارة محلية بمفهومها العلمي السليم، ولكنها صورة من صور المركزية تسمى عدم التركيز الإداري.
لا أريد أن أصدعكم بمفاهيم علمية، ولكن يجب أن يعلم القاصي والداني أنه بعد 66 عامًا من تطبيق نظام ثبت فشله أو بعبارة أكثر دقة عدم نجاحه في تحقيق طموحات المجتمعات المحلية، وهذا هو جوهر هدف الأخذ بنظام اللامركزية الإدارية والتي يطلق عليها مسمى الإدارة المحلية – لابد إذن من أن نبحث عن سبب عدم نجاح هذا النظام.
ولأننا لن نخترع العجلة، وأمامنا كل الدول التي كان الأخذ بنظام اللامركزية الإدارية هو سر تقدمها كفرنسا وتركيا على سبيل المثال، لماذا لا نجرب أن نقف مع أنفسنا وقفة صدق ونتجه مباشرة إلى تطبيق نظام اللامركزية وفق مقوماتها الصحيحة؟
ما هي هذه المقومات:
سأحاول في هذا المقال عرض هذه المقومات مع مقترحاتي بإيجاز شديد لإعادة هيكلة هذا النظام ليصبح أكثر انسجامًا مع مفهوم اللامركزية، واضعًا في الاعتبار التدرج في التطبيق كلما كان ذلك ممكنًا.
أربع مقومات أساسية:
1- إعادة تقسيم إقليم الدولة وفق مبدأ تحقيق التنمية المتوازنة. وفي هذا الصدد أقترح تجزئة المحافظات الكبرى إلى محافظتين أو ثلاث محافظات. مما يثير الاستغراب والدهشة أن تجد محافظة مثل الدقهلية ذات الـ 7.3 مليون مواطن، نصيب كل فرد منها واحد ÷7.3 مليون من جهد المحافظ، بينما نصيب الفرد من جهد المحافظ في محافظة دمياط المجاورة للدقهلية هو واحد ÷1.7 مليون!
جميعنا يعلم أهمية دور المحافظ في تحسين أداء الجهاز التنفيذي في المحافظة، لذا لماذا لا نضيق نطاق الإشراف بحيث يتمكن المحافظ من تحقيق إشراف جيد على كافة أنحاء المحافظة؟ خاصة أننا لن نحتاج لموظفين جدد.
ومن المفيد أن نعلم أن عدد محافظات فرنسا هو 96 وتركيا 81، رغم أنهما أقل مساحة وسكانًا من مصر.
2- إن الذي يدير الوحدة المحلية (محافظة/ مركز/ مدينة/ حي/ قرية) يجب أن يكون قيادة منتخبة. فلن يقود التنمية في الوحدة المحلية موظف مهما كانت درجته الوظيفية، بل يجب أن يقودها قيادة شعبية تنتمي إلى الوحدة المحلية. ويمكن التدرج في التطبيق لتحقيق ذلك.
3- يجب أن تمتلك المحافظة مواردها المالية ويتولى المشرع الدستوري تحديد نسبة منها تسدد للحكومة المركزية للإنفاق على المرافق التي لا تقبل بطبيعتها أن تكون محلية مثل وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والعدل والري، وأيضًا لمساعدة المحافظات محدودة الموارد.
وأود هنا أن أتساءل: من الأقدر على تحديد أولويات التنمية داخل المحافظة؟ هل الحكومة المركزية كما يحدث الآن أم المحافظة ذاتها وفق الأهداف التي تحددها الحكومة المركزية؟
4- الوصاية المركزية للحكومة المركزية على المحليات للتأكد من التزامها بأهداف خطة الدولة.

