في الطابق السابع بمقر وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تتحدث الجدران بلغة واضحة، حيث تصطف صور الوزراء السابقين حتى تصل إلى الحقبة الحالية للمهندسة راندة المنشاوي. لكن ما يلفت الانتباه هو الفراغ المريب الذي يبرز اسم وصورة وزير الإسكان الأسبق، المهندس شريف الشربيني.

لم يكن هذا السقوط من لوحة الشرف مجرد خطأ بروتوكولي أو إداري عابر، بل جاء كترجمة حية لحالة من “الجفاء التام” وعدم المحبة التي يكنّها موظفو الوزارة للشربيني، حتى أن جدران المكان ترفض تخليد فترته.

عندما ترفض الجدران التكريم: كواليس الغضب الصامت

من المعتاد في العرف المؤسسي أن يُمنح أي وزير سابق مكانه في “ألبوم الذكريات” بمجرد مغادرته منصبه كحق تاريخي. لكن حالة الشربيني كانت استثنائية؛ حيث تحول الممر الخدمي في الدور السابع إلى ساحة لتصفية الحسابات الإنسانية والإدارية.

تشير مصادر داخل الوزارة إلى أن الامتناع عن تعليق الصورة لم يكن قرارًا سياديًا فوقيًا، بل هو انعكاس صامت من الموظفين والعاملين الذين عاشوا فترة وصفها الكثيرون بأنها الأكثر توترًا في تاريخ الوزارة الحديث.

لماذا لم يحبوه؟ القبضة التي كسرت لغة الحوار

لم يترك الوزير الأسبق وراءه سوى إرث من المحاضر والقرارات الجافة، مغلّفة بأوراق خالية من أي بعد إنساني. ويعزو الموظفون سبب هذا “الكره الوظيفي” الجماعي إلى عدة عوامل أدت إلى نزع صورته من جدران الممر.

اعتمد الشربيني أسلوبًا إداريًا قاسيًا يعتمد على رصد الأخطاء وتصيد الهفوات بدلاً من الدعم والاحتواء، مما خلق بيئة عمل مشحونة بالتوتر والخوف الدائم.

ولم يسلم كبار المستشارين ورؤساء القطاعات من أسلوبه، حيث شهدت فترته موجة من الإقصاء والنقل التعسفي لصالح وجوه جديدة، مما عمق الشعور بالظلم بين العاملين.

كما أغلق الوزير الأسبق باب مكتبه تمامًا أمام الشكاوى الإنسانية أو المطالب الفئوية للعاملين، متصرفًا وكأنه في معزل عن البشر الذين يديرون هذا المرفق الحيوي.

مرحلة راندة المنشاوي.. تنفس الصعداء وإعلان القطيعة

جاءت تسمية المهندسة راندة المنشاوي وزيرةً للإسكان لتبدأ الوزارة مرحلة جديدة. المفارقة كانت في مسارعة قطاع العلاقات العامة والإداريين — بتأييد ضمني واسع — إلى ترتيب الجدارية بحيث تتصل الحقبة الحالية بما قبل الشربيني مباشرة، متجاوزين فترته وكأنها لم تكن.

هذا التجاوز المتعمد يُثبت أن “الكرسي” لا يحمي صاحبه من حكم التاريخ الإنساني لمن حوله. غادر شريف الشربيني مبنى الوزارة لكنه ترك وراءه إجماعًا نادرًا على عدم المحبة، لدرجة لم يتحمل معها الموظفون رؤية ملامحه معلقة على جدار يمرون به كل صباح.

أثبت الطابق السابع بوزارة الإسكان أن المناصب تزول وأن الحبر الذي يكتب السيرة الحقيقية للرجل ليس ورق القرارات بل محبة البشر الذين قادهم يومًا.. وهي المحبة التي افتقدها الشربيني تمامًا، فأسقطته الجدران كما أسقطه الوجدان الوظيفي.