لم تعد القضية مجرد خلاف بين شركة تطوير عقاري وعملائها، ولا نزاعًا حول رسوم دخول شاطئ أو قيمة عضوية، بل أصبحت تطرح سؤالًا أكبر وأخطر: أين تنتهي حقوق المستثمر؟ وأين تبدأ سيادة الدولة؟

فالاستثمار الأجنبي ضرورة لا غنى عنها لأي اقتصاد يسعى إلى النمو، ومصر رحبت بالمستثمرين، ووفرت لهم الأراضي والبنية الأساسية والحوافز والتشريعات، إدراكًا منها لأهمية رأس المال في دفع التنمية. لكن الترحيب بالاستثمار لا يعني التنازل عن هيبة الدولة، ولا أن تتحول بعض الشركات إلى كيانات فوق القانون.

وإذا صح ما أُثير بشأن فرض رسوم بالدولار داخل الأراضي المصرية، فإن الأمر يستوجب مراجعة قانونية عاجلة، لأن الأصل أن تكون المعاملات داخل الدولة بالجنيه المصري. كما أن احترام القوانين المحلية ليس خيارًا يملكه المستثمر، بل هو التزام يسبق أي امتياز يحصل عليه.

أما الشواطئ فهي في الأصل من الأموال العامة التي كفل القانون حق الانتفاع بها وفق الضوابط التي تضعها الدولة، وليست ملكًا خاصًا يُمنح ويُمنع وفق أهواء الشركات أو سياسات التسويق.

إن المستثمر شريك في التنمية، لا صاحب سيادة. جاء ليستثمر في ظل دولة لها دستور وقوانين ومؤسسات، لا ليصنع قوانينه الخاصة أو يفرض واقعًا يتجاوز اختصاصات الدولة. ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. والوفاء بالعقد التزام متبادل يلتزم به المستثمر كما تلتزم به الدولة، دون تجاوز أو تعسف من أي طرف.

كما أن احترام العقود لا يعني إهدار حقوق المواطنين ولا التغاضي عن شكاوى العملاء، ولا التعالي عليهم. فالنجاح الحقيقي لأي شركة لا يقاس بحجم أرباحها، وإنما بثقة عملائها واحترامها للقانون والمجتمع الذي تعمل فيه.

ومن هنا تبرز عدة أسئلة مشروعة: هل تخضع جميع شركات التطوير العقاري الأجنبية للرقابة نفسها التي تخضع لها الشركات المصرية؟ وهل تراجع الجهات المختصة اللوائح الداخلية لهذه الشركات للتأكد من توافقها مع القوانين المصرية؟ وهل توجد آلية سريعة لحماية حقوق العملاء عند وقوع النزاعات؟

إن حماية الاستثمار لا تكون بمجاملة المستثمر، وإنما بإقامة ميزان واحد للعدالة؛ فلا ظلم للمستثمر ولا استعلاء على الدولة والمواطن. فالدول القوية هي التي تطبق القانون على الجميع بلا استثناء.

وقد أحسن الكاتب والإعلامي محمد علي خير عندما وسّع دائرة النقاش من خلاف تجاري إلى قضية سيادة وطنية؛ لأن الاستثمار لا يزدهر إلا في دولة قوية والدولة لا تكون قوية إلا إذا كان القانون فوق الجميع.

إن مصر بتاريخها ومؤسساتها ليست أرضًا بلا صاحب ولا سوقًا مفتوحة لمن يشاء أن يضع قواعده الخاصة. إنها دولة ذات سيادة ترحب بكل مستثمر يحترم قوانينها وتفتح أبوابها لكل من يضيف إلى اقتصادها. لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تسمح لأحد مهما كان حجمه أو نفوذه بأن يتصرف وكأنه صاحب الكلمة الأخيرة فوق أرضها.

فالاستثمار يبني العمران، أما سيادة الدولة فهي التي تحمي الأوطان؛ وإذا تعارضت المصالح الخاصة مع هيبة القانون فلا يجوز أن تكون الكفة إلا للدولة.