مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة من محطتها النهائية، لا يزال المشهد نفسه يتكرر أمام اللجان: أمهات واقفات على الأرصفة، بعضهن يرفعن أيديهن بالدعاء، وأخريات يقرأن القرآن، بينما تطارد أخريات وجوه أبنائهن بنظرة أخيرة قبل أن تُغلق خلفهم بوابة المدرسة. وكأن تلك البوابة لا تفضي إلى لجنة امتحان، بل إلى محكمة قدرية تُصدر حكمها على سنوات من السهر والإنفاق والخوف والتوقعات.
ثم ينقسم الناس حول هذا المشهد؛ ففريق يراه ذروة الحنان ونبل الأمومة، وفريق آخر يعتبره مبالغة تربوية وضغطًا نفسيًا يُثقل كاهل الأبناء بدلاً من تخفيف العبء عنهم. وبين التعاطف والانتقاد تضيع الحقيقة الأهم؛ فنحن لا نشاهد أمهات ينتظرن أبناءهن فحسب، بل مجتمعًا بأكمله اختزل المستقبل في ورقة إجابة، وجعل الامتحان معركة عائلية بدل أن يكون اختبارًا دراسيًا.
إن الأم التي تقف أمام اللجنة ليست بالضرورة عاجزة عن ترك ابنها يواجه تحدياته، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة لمنظومة طويلة جعلت التعليم مشروع نجاة، والدرجات صك عبور، والمجموع معيارًا للقيمة. لذلك يصبح السؤال العادل ليس: لماذا تقف الأمهات أمام اللجان؟ بل: ما الذي جعل الأم تشعر أن وقوفها في الشمس أقل قسوة من انتظارها في البيت؟ وما الذي جعلها تؤمن أن دعاءها أمام الباب قد يكون آخر ما تملكه لمواجهة قلق لا تستطيع تحمله؟
في القرآن الكريم، لم تُقدم الأمومة كضعف أو اندفاع عاطفي عابر، بل كحالة إنسانية تجمع بين الخوف والرجاء. فحين أُوحي إلى أم موسى: “ولا تخافي ولا تحزني”، لم يكن الخوف عيبًا في قلبها، بل كان دليلًا على بشريتها. وقد صوّر القرآن هذا القلق الأمومي في قصة أم موسى؛ ليس من حيث تشابه الحدث بين خطر عظيم وامتحان دراسي، ولكن من حيث الشعور الإنساني الذي يعتري قلب الأم حين تجد نفسها مضطرة إلى ترك ابنها يواجه لحظة لا تستطيع أن تعبرها معه. لقد ظل قلب أم موسى معلقًا بولدها حتى وصف القرآن حالها بقوله: “وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا”.
ومن هذا المعنى يمكننا قراءة مشهد الأمهات أمام لجان الامتحان بصورة أكثر إنصافًا؛ فهن لا يقفن هناك لأنهن يجهلن أن أبناءهن وحدهم داخل اللجنة، ولا لأنهن يتوهمن أن الانتظار سيغير الأسئلة أو يمدد الزمن، بل لأن القلب الأمومي لا ينصرف بسهولة عن باب دخله الابن محملاً بتعب عام كامل وقلق أسرة بأكملها.
إن الأم الواقفة أمام اللجنة لا تملك القدرة على كتابة إجابة أو تبديل سؤال أو منح ابنها دقيقة إضافية، لكنها تملك القدرة على الانتظار والدعاء وإظهار حضورها الصامت كشكل أخير من أشكال المشاركة في لحظة لا يسمح لها أحد بدخولها. والأمهات أمام اللجان وإن بدت ملامحهن هادئة أحيانًا، فإن داخلهن يمتلئ بعشرات الأسئلة: هل أحسن الابن الإجابة؟ هل تذكر ما راجعه؟ هل خانه الوقت؟ هل أربكه توتر اللجنة؟ هل ستنصفه الدرجة؟ وهل سيخرج مطمئنًا أم منكسرًا؟
وحين يخرج الابن غالبًا ما تسأل الأم عن الامتحان وليس عن العلم الذي اكتسبه: “عملت إيه؟ جالك إيه؟ لحقت تجاوب؟” لأننا لم نعد نعلم أبناءنا من أجل المعرفة بقدر ما ندربهم على النجاة من نظام تقييم قاسٍ.
هنا يظهر وجه الانتقاد المشروع؛ نعم قد يكون ازدحام أولياء الأمور أمام اللجان عبئًا نفسيًا على بعض الطلاب وقد تتحول الدموع والانتظار المشحون إلى رسالة غير مباشرة تقول للطالب: مصيرنا كلنا فوق كتفيك. نعم بعض الأبناء يحتاجون إلى مساحة وهدوء وثقة بدل أعين تودعهم كأنهم ذاهبون إلى معركة فاصلة. لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول الأم وحدها إلى متهمة لأنها ليست صانعة القلق بل حاملته وليست أصل المرض بل أكثر من تظهر عليها أعراضه.
من السهل أن نسخر من أم تقف أمام اللجنة لكن من الصعب أن نسأل: كم ليلة نامت وهي تحسب مصاريف الدروس؟ كم مرة أخفت خوفها حتى لا تنقل العدوى إلى ابنها؟ كم مرة سمعت جملة “الثانوية العامة سنة تحديد المصير” حتى صدقتها؟ وكم مرة قيل لها إن الأم الناجحة هي التي تتابع وتضغط وتضحي وتدفع وتراقب وتحاسب ثم حين فعلت ذلك اتُهمت بأنها تبالغ؟
لقد قال حافظ إبراهيم: “الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق” لكننا في واقعنا لم نعد نعدّ الأم لتكون مدرسة بالمعنى النبيل بل تركناها وحدها تتحول إلى مدرسة طوارئ: تشرح حين لا يكفي الشرح وتدفع حين تتعثر المدرسة وتحتوي حين ينهار الابن وتعتذر حين لا ذنب لها ثم نقف لنحاكم دموعها أمام اللجان.
هذا المشهد ينبغي ألا يُقرأ بوصفه صورة عاطفية تصلح للتصوير ولا بوصفه عادة اجتماعية تصلح للسخرية بل بوصفه مرآة دقيقة لأزمة أعمق: أزمة تعليم جعلت البيت امتدادًا قهريًا للفصل وأزمة مجتمع جعل التفوق الدراسي بديلًا عن الأمان وأزمة خطاب عام يطالب الأم بأن تكون قوية دائمًا ثم يلومها إذا ظهر خوفها للعلن.
ولعل أجمل ما يقدمه القرآن في معنى العلم أنه لم يجعله مرادفًا للدرجات بل جعله طلباً مفتوحاً: “وقل رب زدني علمًا” أي إن العلم رحلة اتساع وليست لحظة رعب ونور يبني الإنسان وليس امتحان يكسر روحه.
إذا أردنا حقاً تخفيف وقوف الأمهات أمام اللجان فلن يكفي أن نطلب منهن العودة إلى البيوت بل علينا إعادة للامتحان حجمه الطبيعي وأن نعيد للطالب حقه في الخطأ دون إعدامه اجتماعيًّا وأن نعيد للأم حق الطمأنينة بدل البطولة الدائمة.
ليست البطولة أن تظل الأم واقفة تحت الشمس وليست القسوة أن ننصحها بالهدوء. البطولة الحقيقية تكمن في بناء نظامٍ لا يجعل منها مضطرة للوقوف أصلًّا وأن نربي أبناءنا على أن المستقبل لا يكمن في ورقة واحدة وأن القيمة لا تختصرها درجة وأن الله الذي قال: “إن مع العسر يسرا” لم يقل إن اليسر يأتي فقط من باب كلية معينة أو مجموع بعينه أو لقب محدد.
لذلك قبل نقد الأمهات على أبواب اللجان فلنسأل أنفسنا: هل نحن نرفض المشهد لأنه مؤذٍ فعلًّا للأبناء أم لأنه يكشف لنا ما نحاول إنكاره؟ يكشف أن الأم المصرية لم تعد تربي فقط بل تفاوض الخوف كل يوم ولم تعد تنتظر النتيجة فقط بل تنتظر إنصافا لم يتحقق ولم تعد تقف أمام مدرسة بل أمام نظام كامل يسأل ابنها وحده عن أخطاء لم يرتكبها بمفرده.
وفي النهاية ربما هذه الأم بحاجة لمن يقول لها بصدق اطمئني ابنك أكبر من امتحان وأنت لست وحدك في هذه المعركة والتعليم ينبغي أن يفتح الأبواب لا أن يحول أبواب المدارس إلى أرصفة انتظار طويلة للقلوب الخائفة.
وفي الختام تبقى رسالة واجبة لبعض الإعلاميين وصناع المحتوى الذين يتناولون مشهد الأمهات أمام لجان الامتحانات بسخرية أو استخفاف: ليس من المهنية الضحك على قلق الناس قبل فهم أسبابه وليس من الوعي اختزال أم واقفة تحت الشمس في صورة هزلية أو تعليق عابر.
قد يقول البعض إن هذا المشهد غير موجود بهذا الشكل في دول أخرى لكن السؤال الأعمق ليس لماذا لا نشبه العالم ولكن لماذا نصر على مقارنة أم مصرية مرهقة بواقع تعليمي واجتماعي واقتصادي مختلف تماماً؟ فالأم هنا ليست واقفة أمام اللجنة حباً بالازدحام ولا رغبة باستعراض القلق وإنما لأنها ابنة بيئة جعلت الامتحان حدثاً عائلياً والمجموع مصيرًَا والخطأ كارثة والمستقبل معلقاً على ورقة.
قبل السؤال هل تفعل أمهات العالم ذلك فلنسأل هل يعيش العالم ضغط الثانوية العامة كما تعيشه الأسر المصرية وهل تُحمَّل الأسرة هناك ما تُحمَّله الأسرة هنا من خوف ومصاريف ومقارنات وانتظار اجتماعي قاسٍ؟
إن السخرية من هؤلاء الأمهات ليست خفة ظل وإنما تقليل لتعب غير مرئي وخوف غير مُقال وأمومة تحاول دعم أبنائها بالطريقة الوحيدة المتاحة لها الانتظار والدعاء.
ومن يريد انتقاد الظاهرة فليكن بوعي واحترام وليس بتعالٍ على الأمهات ولا بمحاكمة ضحايا الضغط بدل مساءلة أسبابه؛ فالأم المصرية ليست مادة للسخرية وليست دموعها مشهدًَا للتندر وليست وقفتها أمام اللجنة دليلًَا على جهل أو مبالغة وإنما علامة على خلل أكبر وأعمق مما هو فردي ومؤلم أكثر مما هو رصيف مدرسة.

