مع استمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما يحدث في ساحات القتال، بل امتد ليشمل قدرة كل طرف على تحمل كلفة الصراع سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت الضغوط على الحكومات، وارتفعت فاتورة الإنفاق، وبدأت تظهر تداعيات الحرب على الجبهة الداخلية. وهذا ما يجعل عنصر الوقت أحد أهم أوراق القوة في أي صراع طويل.
في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة للحفاظ على قدرتها العسكرية وإدارة عملياتها في المنطقة، يبدو أن إيران، وفق تقديرات سياسية، تركز أكثر على إطالة أمد المواجهة واستنزاف خصمها. وهي تستفيد من الضغوط التي قد تتراكم تدريجيًا داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، بالإضافة إلى الانعكاسات السلبية للحرب على الداخل السياسي والاقتصادي في واشنطن.
تفتح هذه المعادلة الباب أمام سيناريو أكثر تعقيدًا؛ إذ إن استمرار الصراع لا يعني بالضرورة تحقيق تقدم عسكري سريع لأي طرف، بل قد يحول المواجهة إلى اختبار طويل للقدرة على الصمود وتحمل الخسائر والتكاليف. وفي هذه الحالة، تصبح العوامل مثل الرأي العام والانتخابات والإنفاق العسكري لا تقل أهمية عن التحركات الميدانية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، إن إيران تراهن على إطالة أمد الصراع وإنهاك الولايات المتحدة. مشيرًا إلى أن تقارير صحفية أمريكية بدأت تتحدث بصورة علنية عن حالة من التذمر بين بعض القوات الأمريكية المشاركة في المواجهة.
وأوضح غباشي أن الضغوط تبدو واضحة بشكل خاص بين القوات الموجودة في عرض البحر، وعلى رأسها نحو 5 آلاف جندي على متن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”.
أكثر من 250 يومًا في عرض البحر
وأشار غباشي إلى أن استمرار وجود القوات الأمريكية في البحر لفترة طويلة يمثل تحديًا كبيرًا للجنود والضباط. فقد مرت أكثر من 250 يومًا منذ وجود بعض هذه القوات في عرض البحر، مما أدى إلى ظهور حالة من الضجر ومشكلات مرتبطة بطول فترة الانتشار.
تكشف هذه النقطة عن أحد أهم جوانب الحروب الممتدة؛ فالقوة العسكرية لا تقاس فقط بحجم الأسلحة والقدرات التكنولوجية، بل تتأثر أيضًا بقدرة الجنود على الاستمرار في ظروف انتشار طويلة ومعقدة، خاصة عندما لا تكون هناك نهاية واضحة للصراع.
الانتخابات الأمريكية تدخل الحسابات
ولا تتوقف تداعيات الحرب عند الجانب العسكري؛ إذ يرى غباشي أن الداخل الأمريكي أصبح عنصرًا أساسيًا في حسابات المواجهة، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
وأوضح أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يضع الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري أمام اختبار سياسي صعب. وذلك بسبب المخاوف المتعلقة بقدرة الحزب على الحفاظ على أغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب.
وأضاف أن دخول الانتخابات وسط صراع متأرجح مع إيران قد لا يكون في مصلحة الحزب الجمهوري، خاصة إذا استمرت الحرب في فرض أعباء اقتصادية وعسكرية على المواطن الأمريكي.
فاتورة الحرب تضغط على واشنطن
ومن أبرز الملفات التي تزيد الضغوط على الإدارة الأمريكية وفق غباشي هو ارتفاع تكلفة الحرب. حيث تزداد النفقات اليومية المرتبطة بالعمليات العسكرية والانتشار وتحريك القوات والمعدات.
ويرى أن قدرة المواطن الأمريكي على تحمل هذه التكلفة تمثل عامل ضغط إضافيًا على صانع القرار، خاصة مع استمرار الصراع وعدم وجود تسوية سريعة تضع حدًا للنفقات المتزايدة.
وبذلك يصبح السؤال بالنسبة إلى واشنطن مرتبطًا ليس فقط بقدرتها على مواصلة العمليات العسكرية ولكن أيضًا بمدى قدرتها على إقناع الداخل الأمريكي بجدوى استمرارها وتحمل تكلفتها السياسية والاقتصادية.
طهران تراهن على عامل الوقت
في المقابل تعتمد إيران بحسب غباشي استراتيجية تقوم على الصمود وإطالة أمد المواجهة. إذ يعتبر مرور الوقت عامل ضغط متزايد يساهم في زيادة الضغوط على الولايات المتحدة ويمنح طهران فرصة لتعزيز قدرتها على التحمل.
وتراهن إيران في هذه المعادلة أيضًا على أن استمرار الصراع قد يوسع دائرة الضغوط داخل الولايات المتحدة سواءً عسكريًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا مما قد يدفع واشنطن للبحث عن مخرج أو تسوية فيما بعد.
حرب الإرادات
بينما تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا وتقنيًا كبيرًا، فإن إيران تراهن بدورها على تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة يكون فيها الزمن عاملاً مؤثرًا لتغيير موازين الضغط.
ومن هنا فإن مسار الصراع خلال الفترة المقبلة لن تحدده التطورات العسكرية وحدها بل ستلعب قدرة كل طرف أيضًا دوراً رئيسيًا في تحديد اتجاه المواجهة.

