تحمل قصة الخضر مع موسى العديد من الأسرار البلاغية والتربوية التي تفتح آفاقًا واسعة لفهم القرآن الكريم. وقد كشف الدكتور عطية لاشين، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، عن واحدة من أجمل اللطائف البيانية في سورة الكهف. وأوضح أن اختلاف الضمائر في حديث الخضر مع نبي الله موسى عليهما السلام لم يكن مجرد تنويع أسلوبي، بل يحمل دلالات إيمانية وبلاغية عميقة، مما يجعل هذه القصة نموذجًا بديعًا في الأدب مع الله سبحانه وتعالى.
اختلاف الضمائر في قصة الخضر مع موسى
وأشار الدكتور عطية لاشين إلى أن الله تعالى قال على لسان الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ عند خرق السفينة، ثم قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ عند قتل الغلام، وأخيرًا ذكر: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ عند إقامة الجدار. وأكد أن هذا التدرج في الضمائر يحمل معاني دقيقة تتعلق بالأدب مع الله وحكمة أفعاله.
لماذا قال الخضر: “فأردت”؟
وبيّن أن الخضر نسب إرادة خرق السفينة إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ لأن الفعل يبدو ظاهريًا كعيب وإتلاف لجزء من السفينة، رغم أنه في حقيقته رحمة وإنقاذ لها من اغتصاب الملك الظالم. ومن كمال الأدب مع الله ألا يُنسب ما يبدو للناس ضررًا إليه مباشرة.
وأشار إلى أن هذا المعنى يتوافق مع قول نبي الله إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ حيث نسب المرض إلى نفسه بينما نسب الشفاء إلى الله سبحانه وتعالى.
سر الانتقال إلى “فأردنا”
وأضاف لاشين أن الخضر استخدم ضمير الجمع في قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ لأن حادثة قتل الغلام اجتمعت فيها أمران؛ الأول ظاهر فيه الشدة وهو القتل، والثاني يحمل الرحمة والخير، وهو أن يرزق الله الوالدين ولدًا خيرًا منه. ولذلك لم ينسب الإرادة إلى نفسه وحده كما في خرق السفينة، ولم ينسبها إلى الله وحده، وإنما جاء التعبير بضمير الجمع للدلالة على اجتماع الحكمة الإلهية مع تنفيذ الخضر للأمر.
لماذا قال: “فأراد ربك”؟
وأكد عضو لجنة الفتوى بالأزهر أن الخضر عندما تحدث عن إقامة الجدار وحفظ كنز اليتيمين قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ فنسب الإرادة إلى الله سبحانه وتعالى مباشرة؛ لأن هذا الفعل هو خير محض ورحمة خالصة، ولا يظهر فيه أي جانب من جوانب الضرر أو الإيلام، مما يناسب نسبة الفضل كله إلى الله عز وجل.
التدرج البياني يعلم الأدب مع الله
وأشار الدكتور عطية لاشين إلى أن هذا التدرج البديع في الضمائر يحمل درسًا تربويًا عظيمًا. فقد جاء التعبير بـ”فأردت” عند الأمر الذي يبدو ظاهره عيبًا، و”فأردنا” عند الأمر الذي اجتمع فيه ظاهر الشدة وباطن الرحمة، ثم “فأراد ربك” عند الخير الخالص. وهذا يعكس أدب الأنبياء والصالحين في الحديث عن أفعال الله سبحانه وتعالى.
وأوضح أن بعض أهل العلم استنبطوا من هذه الآيات ضرورة تأدب المسلم في ألفاظه مع الله تعالى، بحيث ينسب الخير إليه صراحةً ويؤمن بأن كل ما يحدث في الكون إنما هو بقضاء الله وقدره وحكمته.
قصة الخضر مع موسى.. رسالة طمأنينة لكل مبتلى
واختتم لاشين حديثه بالتأكيد على أن قصة الخضر مع موسى تعلم المؤمن ألا يحكم على الأحداث من ظاهرها؛ فخرق السفينة كان سببًا لنجاتها، وقتل الغلام كان رحمة لوالديه، وإقامة الجدار كانت حفظًا لمستقبل اليتيمين. وأضاف أن الإنسان قد يرى بعض الأحداث مؤلمة أو غير مفهومة، لكنها قد تخفي وراءها رحمة عظيمة لا تظهر إلا بعد مرور الزمن. مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مؤكدًا أن من أعظم مقاصد قصة الخضر مع موسى ترسيخ اليقين بأن علم الإنسان محدود بينما تدبير الله سبحانه كله حكمة ورحمة حتى وإن خفيت أسبابها عن العباد.

