تتعدد أسباب انتشار الأغذية الفاسدة والمخالفة في الأسواق والمحلات التجارية، سواء كانت منتجات محلية أم مستوردة، مما يشكل مخاطر صحية تهدد المستهلكين. ويعود ذلك إلى وجود منشآت غير مرخصة وضعف الالتزام بالاشتراطات الصحية في عدد من المطاعم ومحلات بيع الأغذية، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بتداول المنتجات المستوردة.
وأكد الدكتور طه عبد المطلب السيسي، رئيس بحوث متفرغ بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكامل أدوار الأجهزة الرقابية والجهات البحثية والإعلام والمستهلك، مع ضرورة تشديد الرقابة وتطبيق القوانين على المخالفين.
مصانع “بير السلم” كمصدر رئيسي للمنتجات المخالفة
وأوضح أن انتشار المصانع غير المرخصة والعشوائية، المعروفة باسم “مصانع بير السلم”، يعد من أبرز أسباب تداول الأغذية المخالفة والفاسدة. إذ يصعب رصد هذه المنشآت وحصرها، مما يعوق الرقابة عليها.
وأشار إلى أن منتجات هذه المصانع تتمتع بمعدلات بيع مرتفعة، خاصة في المناطق الشعبية، نظرًا لانخفاض أسعارها مقارنة بالمنتجات ذات المصدر المعلوم التي يتم تصنيعها داخل مصانع مرخصة وخاضعة للرقابة.
وشدد على ضرورة تكثيف جهود الأجهزة الرقابية للكشف عن أماكن تصنيع هذه المنتجات والاستعانة بوسائل التتبع للوصول إلى مصادر التصنيع. وأكد أيضًا أهمية الدور التوعوي لوسائل الإعلام في تعريف المستهلكين بكيفية اختيار المنتجات الآمنة.
ودعا المستهلكين إلى التأكد من مصدر المنتج وقراءة بطاقة البيانات الغذائية بعناية، بما تتضمنه من معلومات عن المكونات وتاريخ الصلاحية وطرق التخزين والإعداد للاستهلاك. كما شدد على ضرورة الإبلاغ عن أي منشأة تقوم بتصنيع أو تخزين الأغذية بصورة مخالفة وبعيدًا عن أعين الرقابة.
خامات فاسدة ومواد محظورة
وحذر من أن خطورة منتجات المنشآت غير المرخصة تكمن في استخدام خامات فاسدة أو منتهية الصلاحية، أو لحوم غير صالحة للاستخدام. كما يمكن استخدام مواد مضافة محظورة أو اللجوء إلى مواد مسموح بها ولكن بكميات مرتفعة بهدف إخفاء عيوب الخامات المستخدمة أو التغطية على فسادها.
وأشار إلى أن مثل هذه الممارسات قد تؤدي إلى أضرار بالغة بصحة المستهلك والإصابة بأمراض خطيرة. موضحًا أن تصنيع الأغذية المخالفة قد يحدث إما نتيجة الجهل بالاشتراطات أو عن عمد بهدف تحقيق الربح دون النظر إلى الآثار الصحية المترتبة على ذلك.
وأكد أن حالات التعمد تستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة وفقًا للقوانين المنظمة. بينما يجب التعامل مع المنتج الذي يخالف الاشتراطات نتيجة الجهل من خلال التوعية والإرشاد والمساعدة على تصحيح الأوضاع.
دعم المنتجين بدلًا من تركهم خارج المنظومة
وطالب بتوعية المنتجين باللوائح والقوانين والتشريعات وإمدادهم بالمواصفات القياسية الخاصة بالمنتجات الغذائية. كما دعا لتنظيم دورات تدريبية حول أساليب التصنيع وفقًا للممارسات الصحية الجيدة ونظم الجودة المناسبة.
ولفت إلى أن الجهات البحثية والأكاديمية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في هذا المجال، مشيرًا إلى استعداد معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية لتقديم الدعم والتدريب اللازمين.
كما دعا إلى تسهيل إجراءات الترخيص والتسجيل وتوفير قروض ميسرة من البنوك لمساعدة أصحاب المنشآت على تطوير منشآتهم بما يتوافق مع نظم الجودة وسلامة الغذاء.
المطاعم ومحلات الأغذية: مخاطر متعددة
وانتقل الدكتور السيسي للحديث عن سبب آخر لانتشار الأغذية غير الآمنة، وهو ضعف الرقابة على بعض المحلات والمطاعم. موضحًا أن المنتجات والوجبات التي تقدمها بعض هذه المنشآت قد تتعرض لعوامل متعددة للتلوث.
وأشار إلى احتمالية تعرض الأغذية للأتربة وعوادم السيارات والميكروبات الموجودة في البيئة المحيطة. فضلًا عن سوء حالة بعض الأماكن وعدم توافر الاشتراطات الصحية واستخدام أدوات ومعدات غير نظيفة وممارسات شخصية غير سليمة من جانب العاملين.
وأضاف أن سوء طرق تخزين وإعداد الأغذية واستخدام خامات مجهولة المصدر يزيدان من مخاطر انتقال الملوثات إلى المستهلك. وحذر من تزايد الاعتماد على الوجبات السريعة وأغذية الشارع خاصة بين الشباب، مطالبًا بتشديد الرقابة على هذه الأنشطة لا سيما المحال القريبة من المدارس والتجمعات ووضع معايير دقيقة وملزمة تحكم التعامل مع الأغذية في المطاعم ومحلات بيع الطعام.
مواصفات خاصة لأغذية الشارع
وأشار الدكتور السيسي إلى أن هيئة الدستور الغذائي الدولية “الكودكس” أصدرت منذ سنوات مواصفة خاصة بالاشتراطات الصحية للأغذية المباعة في الشوارع تحت عنوان Essential Safety Requirements for Street-Vended Foods. وطالب بتبني هذه المواصفة أو إعداد مواصفة قياسية مصرية مماثلة تكون ملزمة بما يسهم في إحكام الرقابة على المطاعم ومحلات الأغذية والحد من الأمراض المرتبطة بتناول الأغذية غير الآمنة.
الأغذية المستوردة: ثغرات تستوجب المراجعة
وفيما يتعلق بالأغذية المستوردة، حذر السيسي من لجوء بعض المستوردين المخالفين لإدخال أغذية فاسدة أو منتهية الصلاحية إلى البلاد مستغلين ما وصفه ببعض الثغرات في الإجراءات المنظمة. وطالب بمراجعة الإجراءات الخاصة بنقل وتخزين المنتجات المستوردة تحت التحفظ بما يضمن عدم تسرب أي منتجات إلى الأسواق المحلية قبل الانتهاء من إجراءات الفحص والتحليل والتأكد من سلامتها.
وشدد على أهمية إحكام الرقابة على مراحل التخزين والتداول خاصة عندما يتم نقل المنتجات إلى مخازن المستوردين لضمان عدم استبدال المنتجات أو تهريبها أو طرحها في الأسواق قبل صدور نتائج التحاليل.
إنشاء هيئة سلامة الغذاء: خطوة لتوحيد الرقابة
وأشار الدكتور السيسي إلى التطورات المهمة التي شهدتها منظومة الرقابة على الأغذية مؤخرًا بإنشاء الهيئة القومية لسلامة الغذاء بموجب القانون رقم 1 لسنة 2017 بهدف توحيد منظومة الرقابة بعد توزيع الاختصاصات سابقًا بين عدد من الجهات. وأوضح أن الهيئة تعمل على إعداد منظومة متكاملة لتداول الغذاء سواء المنتج محليًا أو المستورد بما يحقق التوازن بين حماية صحة المستهلك والحفاظ على حقوق المنتج.
كما تستهدف الهيئة الارتقاء بجودة الصناعات الغذائية المصرية وتقنين أوضاع القطاع الغذائي غير الرسمي عبر برامج لدعم المنشآت ودمجها في المنظومة الرسمية مما يساعد على إحكام الرقابة وضمان سلامة الغذاء.
مطالب بتشديد الرقابة على الإضافات والإعلانات
وطرح الدكتور السيسي عددًا من المطالب لتعزيز منظومة سلامة الغذاء، منها تشديد الرقابة على استخدام المواد المضافة والمواد الخطرة وغير المسموح بها خاصة تلك التي قد تدخل البلاد تحت أسماء تجارية لا تكشف بوضوح عن مكوناتها. كما طالب بمنع الإعلانات المضللة عن المنتجات الغذائية التي قد تمثل خطرًا على صحة المستهلك وعدم السماح بالترويج لأي منتج إلا بعد التأكد من سلامته ومطابقته للاشتراطات بالإضافة لإحكام الرقابة على المحتوى والبرامج التي تقدم طرق إعداد وطهي الأغذية عبر وسائل الإعلام.
المزارع السمكية: ضرورة الحد من مصادر التلوث
كما دعا الدكتور السيسي لمراجعة بعض التشريعات المنظمة للمزارع السمكية بهدف الحد من احتمالات تعرض الأسماك للملوثات الكيميائية مثل بقايا المبيدات والمعادن الثقيلة وكذلك الملوثات الحيوانية والبشرية التي قد تؤثر في جودة الأسماك وسلامتها فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على المستهلك وسمعة الصادرات المصرية.
وأكد أهمية حماية الثروة السمكية من مصادر التلوث مشيرًا إلى أن جودة الغذاء تبدأ من مصادر الإنتاج ولا تقتصر فقط على الرقابة على المنتج النهائي بعد وصوله للأسواق.
كما أكد السيسي أهمية استمرار تطوير منظومة سلامة الغذاء وتكامل جهود الجهات الرقابية والبحثية والتشريعية لضمان وصول غذاء آمن وسليم للمستهلك المصري معربا عن تمنياته بالتوفيق لهيئة سلامة الغذاء والقائمين عليها.

