لا نكاد نخرج من دوامة حتى ندخل في أخرى دون استراحة لنلتقط أنفاسنا، ففي الوقت الذي لم نتعاف فيه بعد من رفع أسعار الكهرباء والعيش، نجد أنفسنا فجأة أمام أزمة تصنيع بعض أنواع الأنسولين محليًا المقدمة للمستفيدين من مظلة التأمين الصحي.

وبغض النظر عن أن الخدمات المقدمة في التأمين الصحي ليست بالمستوى المطلوب، حيث تعاني الأدوية من نقص كبير مما يجبر المرضى على شرائها على نفقتهم الخاصة بعد معاناة طويلة مع الطوابير وقوائم الانتظار، فإن ما يثير القلق أكثر هو المواطن الشريف الذي ظهر في إحدى الوحدات الصحية قائلاً: “إن كل شيء ميه ميه”. أرى أن الأزمة في جوهرها هي أزمة ثقة تتوزع بين شقين، وبينهما مواطن غلبان.

الشق الأول يتمثل في عدم ثقة المواطن في المنتج المحلي، أما الشق الثاني فهو عدم ثقته بأن القرارات المتخذة تصب في مصلحته أولاً وأخيرًا، وأن راحته هي الغاية والهدف من أي قرار، تلك الراحة التي يراها كحق دائم.

وفيما يتعلق بالشق الأول.. لماذا فقدنا الثقة في المنتج المحلي؟ نحن الذين تربينا على منتجات المحلة الكبرى وأحذية باتا ومربى قها، وذهبنا إلى مدارسنا بمرايل تيل نادية دون أن نعرف من هي نادية! بالإضافة إلى مستلزمات المنازل التي كانت أمهاتنا يشترينها من عمر أفندي وشركة بيع المصنوعات وصيدناوي.

من وجهة نظري، فقدنا الثقة في المنتج المحلي منذ تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أدت بنا إلى السوق المفتوح فجأة ودون مقدمات. لم تكن هناك آليات اقتصادية علمية كافية لضمان بقاء المنتج المصري قادرًا على المنافسة، مما أدى إلى تدهور حالته ليصبح بحاجة إلى دعم خارجي. وبهذا الانفتاح تحولنا من منتجين إلى مستهلكين، بل ونفاخر بذلك أمام الأمم.

أما الشق الثاني من الأزمة فهو فقدان المواطن الثقة بأنه الهدف والغاية. بل تأكد أن الهدف قد تغير. ربما يعود ذلك إلى التضارب في التصريحات التي تصل أحيانًا إلى حد التناقض. وفي النهاية نحيل الأمر إلى سوء الفهم أو اجتزاء الكلمات مما يفقدها معناها الحقيقي، مما يؤدي إلى خلق بلبلة تجعل المواطن يرفض الأمر برمته ويتشكك في جدواه.

وهناك الكثير من الأمثلة.. فنحن نستيقظ كل يوم على زيادة أسعار سلعة أو خدمة جديدة. نحتاج إلى ترليون جنيه لإصلاح المنظومة الصحية بينما لدينا ما يكفي لذلك. لدينا نقص في الأطباء وفي الوقت نفسه يدّعى الاكتفاء منهم.

المعارضة داخل البرلمان تقدم لنا صورة قاتمة بينما الأغلبية تؤكد عكس ذلك. يعيش أولياء الأمور وأبناؤهم مآسي يومية؛ فلا الأمور تسير بكفاءة كما شهدنا سابقًا في الثانوية العامة أو البكالوريا. لدينا أفضل شبكة طرق ولكن أرواح بريئة تُزهق لتتحول أحلام أصحابها إلى أشلاء على الأسفلت. الإعلام يسوق ويُهيئ للقرارات القادمة ويدافع بشدة عن الصادر منها بينما المواطن لا يشعر بها أساسًا.

إن هذه الصورة الضبابية نتجت عن غياب الشفافية مما أغرقنا في حالة من الفوضى المعلوماتية والتصريحات المتناقضة.