تتناول هذه الرواية تجربة أخي الأصغر الذي عاش (حرفيًا) ألف عام، حيث يُفهم العمر ليس بعدد السنوات فقط، بل بعدد الحيوات التي يعيشها الإنسان. فقد يولد الإنسان في قرية ويقضي حياته دون أن يغادرها، فتتكرر الأيام والأحداث والأشخاص، مما يجعل حياته طويلة ولكنها في جوهرها يوم واحد ممتد يتكرر على مدى خمسين أو ستين أو حتى مئة عام. في النهاية، تبقى الحياة ذاتها.. شروق وظهر وغروب، مع تكرار نفس الأحداث.

لكن أخي اختار لنفسه إيقاعًا مختلفًا، حيث قرر أن يعيش كل يوم تجربة جديدة في مدينة جديدة ويقابل أشخاصًا مختلفين. إنه رحالة يتنقل بين خطوط الطول والعرض، يطوي الحدود ومحطات الجمارك ومكاتب الجوازات كما نطوي الصحف، ولم يعد باسبوره يحتوي على ختم لدولة لم يزرها (إلا فيما ندر).

زياراته للبلدان ليست من أجل استكشاف أسواقها ومعالمها فحسب، بل ليعيش بين أهلها ويتفاعل معهم. يمتزج بخبزهم وحكاياتهم ويخلط أوراقه بأوراقهم. وبين شروق وغروب تحت شمسهم، يجد نفسه وقد اكتسب سنوات جديدة من العمر لا يحصل عليها من يعيش عمره تحت شمس واحدة.

يتحدث أخي عشر لغات أو ربما عشرين.. لا أعرف على وجه التحديد. فقد أعددت الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والروسية والإيطالية واليونانية والبرتغالية والبولندية والأوكرانية وتعبت من العد. أحيانًا أمزح معه وأسأله: عندما تنام.. ما اللغة التي تحلم بها؟ فيضحك ويجيب: “لا أعلم على وجه التحديد، أظن أنني أحلم بلغة المكان الذي أكون فيه”.

هذا التنوع اللغوي ساعده على الاقتراب من الناس تحت كل شمس. لكن جميع شموس العالم لم تعد تكفيه، فعشقه يتجه نحو شمس أخرى غربت قبل ستة قرون.. شمس كانت نورًا ونارًا ولهبًا من شغف وحضارة.

شمس الأندلس التي استوعب أخي كل ما كتب عنها بكل اللغات التي يتقنها، ثم زارها مرارًا وتكرارًا. طاف بجدرانها وتجول في سهولها وجبالها وعرف أسرار كل حجر وكل كلمة ترددت في الفضاء وظلت معلقة هناك تنتظر أذنًا تسمع وعينًا ترى وقلبًا يحس.

لذلك.. عندما فتح هذا الرحالة العتيد ذو الألف عام أبواب هذه الرواية، أدركت أنه لم يدخل الأندلس لأول مرة، بل كان يعود إليها بعد قرون من الرحيل. وأعتقد أنه لم يبدأ كتابة هذه الرواية يوم أمسك القلم، بل بدأها منذ أول مرة حمل فيها حقيبة السفر ومنذ أول مدينة قرر أن يعيش فيها بدلاً من أن يزورها.