لم تكن تظاهرات 30 يونيو 2013 حدثًا مفاجئًا في المشهد المصري، بل جاءت بعد أشهر من الاحتقان السياسي والاستقطاب الحاد والأزمات المتلاحقة التي شهدتها البلاد خلال العام الأول لحكم جماعة الإخوان.
بينما تصاعدت الدعوات للنزول إلى الشوارع للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، تراكمت سلسلة من الوقائع التي اعتبرتها قطاعات واسعة من المصريين مؤشرات على تهديد استقرار الدولة ومؤسساتها.
حصار المحكمة الدستورية.. بداية الصدام مع القضاء.
في 2 ديسمبر 2012، احتشد آلاف من أنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي أمام مقر المحكمة الدستورية العليا لمنع انعقاد جلسة كانت تنظر في دعاوى تتعلق بمجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور.
وأعلنت المحكمة تعذر انعقاد جلستها بسبب الحصار المفروض على مقرها، مما أثار انتقادات واسعة من الهيئات القضائية والقوى السياسية التي اعتبرتها اعتداءً على استقلال القضاء ومحاولة للضغط على إحدى أهم مؤسسات الدولة.
الدم يدخل المشهد السياسي أمام قصر الاتحادية.
في 4 و5 ديسمبر 2012، اندلعت اشتباكات عنيفة أمام قصر الاتحادية الرئاسي بين مؤيدي الرئيس وقوى المعارضة والمتظاهرين، عقب الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في نوفمبر من العام نفسه. أسفرت المواجهات عن سقوط ضحايا ومئات المصابين، واستشهد في الأحداث الصحفي الحسيني أبو ضيف.
واتهمت المعارضة عناصر من جماعة الإخوان بالاعتداء على المتظاهرين واحتجاز بعضهم والتحقيق معهم داخل محيط القصر، مما شكل واحدة من أخطر المحطات السياسية خلال تلك الفترة.
حصار مدينة الإنتاج الإعلامي واتهامات بترهيب الإعلاميين.
خلال الفترة الممتدة من ديسمبر 2012 وحتى يونيو 2013، شهدت مدينة الإنتاج الإعلامي حصارًا كبيرًا نتيجة لوقافات واعتصامات متكررة نظمها مؤيدون للرئيس مرسي، بحجة الاعتراض على أداء عدد من القنوات الفضائية والإعلاميين المعارضين له.
في 6 ديسمبر عام 2012، حاصرت حركة حازمون مدينة الإنتاج الإعلامي ونصبت الخيام أمام البوابتين رقم 2 و4 الموجودتين خلفهما استوديوهات القنوات الفضائية الخاصة مثل قنوات النهار وأون تي في وسي بي سي.
نصب عناصر حازمون المحاصرون للمدينة أنفسهم قضاة واستوقفوا مذيعة التلفزيون سماح محمد إبراهيم واعترضوا على ملابسها بحجة الضبطية القضائية.
وفي 7 ديسمبر عام 2012، اشتد حصار حركة حازمون على المدينة ومنعوا دخول بعض الإعلاميين وأطلقوا الأعيرة النارية لإرهاب الإعلاميين. استمر الاعتصام عدة أيام بعدما أسموها مدينة الإنتاج الإسلامي. ثم حاصروا المدينة مرة أخرى بعد أزمة الإعلان الدستوري في ديسمبر 2012، وهددوا المعتصمين السلميين أمام قصر الاتحادية بإعلان الخلافة الإسلامية في مصر.
وهدد صفوت بركات الراجحي المنسق العام لحركة حازمون بأن عناصر الحركة ستقتحم مدينة الإنتاج الإعلامي وسيعلن حازم صلاح أبو إسماعيل رئيسًا لجمهورية مصر العربية إذا لم ينسحب المعتصمون من أمام قصر الاتحادية.
وتحدث إعلاميون وعاملون بالمؤسسات الإعلامية عن تعرضهم لمضايقات وعمليات تفتيش واستجواب أثناء دخولهم المدينة أو مغادرتها. اعتبرت قوى سياسية وإعلامية أن ما جرى يمثل محاولة للضغط على وسائل الإعلام المستقلة وإرهاب الإعلاميين المعارضين.
وأصبحت أزمة حصار مدينة الإنتاج الإعلامي رمزًا للصراع بين جماعة الإخوان ووسائل الإعلام الخاصة، خاصة مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن التحريض والتشويه الإعلامي.
أزمة إقالة النائب العام.
قبل الإعلان الدستوري بأيام وتحديدًا في نوفمبر 2012، أصدر الرئيس الراحل محمد مرسي قرارًا بإقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود وتعيين المستشار طلعت عبد الله بدلًا منه. أثارت هذه الخطوة اعتراضات واسعة داخل الأوساط القضائية حيث اعتبرتها قوى المعارضة تدخلًا في استقلال السلطة القضائية. بينما دافع مؤيدوه عن القرار باعتباره جزءًا من عملية إصلاح مؤسسات الدولة.
مواجهة مباشرة أمام مقر الإخوان.
في 22 مارس 2013 شهد محيط المقر الرئيسي لجماعة الإخوان المسلمين بالمقطم اشتباكات عنيفة بين معارضين للجماعة ومؤيديها، وأسفرت الأحداث عن سقوط قتلى وعشرات المصابين. اعتبرت هذه الاشتباكات دليلًا إضافيًا على تصاعد الاستقطاب السياسي والعنف في الشارع المصري.
اعتصام وزارة الثقافة ورفض “أخونة” المؤسسات.
في 5 يونيو 2013 بدأ مثقفون وفنانون وكتاب اعتصامًا مفتوحًا أمام مقر وزارة الثقافة عقب قرارات الوزير علاء عبد العزيز بإقالة عدد من القيادات الثقافية والفنية. رفع المعتصمون شعارات ترفض ما وصفوه بمحاولات “أخونة الثقافة” والسيطرة على المؤسسات الثقافية المصرية. وتحول الاعتصام إلى أحد أبرز رموز المعارضة المدنية لحكم الإخوان قبل 30 يونيو.
أزمة سد النهضة واجتماع البث المباشر.
في 3 يونيو 2013 شهدت الرئاسة المصرية واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل عندما تم إذاعة اجتماع لمناقشة أزمة سد النهضة الإثيوبي على الهواء مباشرة دون علم عدد من المشاركين. تضمن الاجتماع مقترحات ومناقشات حساسة تتعلق بكيفية إدارة الملف ومدى خطورتها على الأمن القومي المصري.
تحذيرات من الفوضى والعنف.
مع اقتراب موعد 30 يونيو تصاعدت التصريحات الصادرة عن بعض قيادات الجماعات المتطرفة الداعمة للرئيس الراحل محمد مرسي والتي حذرت من أن إسقاط “الشرعية” قد يقود إلى إراقة الدماء أو اندلاع حرب أهلية أو فوضى واسعة النطاق.
بين حصار المحكمة الدستورية وأحداث الاتحادية وأزمة النائب العام وحصار مدينة الإنتاج الإعلامي واعتصام وزارة الثقافة وأحداث المقطم وأزمة سد النهضة وتصاعد التحذيرات من العنف والفوضى، تشكلت بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد دفعت قطاعات واسعة من المصريين إلى المطالبة بالتغيير ومهدت للأحداث التي شهدتها البلاد في 30 يونيو وما أعقبها من تحولات سياسية كبرى.

