أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا يوضح كيفية تحويل الأنظمة الغذائية إلى منظومة اقتصادية ضخمة. ويشير التحليل إلى أن الأنظمة الغذائية لم تعد مجرد وسيلة لتحسين الصحة أو إنقاص الوزن، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية متنامية تُعرف بـ”منظومة الحياة الصحية” أو “اقتصاد العافية”. مع تزايد الوعي الصحي، وارتفاع معدلات السمنة والأمراض المزمنة، وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مؤثرة في تشكيل أنماط الحياة، نشأت صناعة عالمية ضخمة تلبي الطلب المتزايد على الغذاء الصحي، واللياقة البدنية، وإدارة الوزن.
هذا التحول أدى إلى نمو أسواق جديدة تشمل الأغذية العضوية، والأغذية منخفضة السعرات الحرارية، والمنتجات النباتية، والمكملات الغذائية، وبرامج إنقاص الوزن، والتطبيقات الرقمية المتخصصة في متابعة التغذية والصحة. وأصبحت الشركات العالمية تتنافس على تطوير منتجات غذائية تلبي احتياجات المستهلكين المهتمين بالصحة والعافية، كما برزت استثمارات ضخمة في مجالات التكنولوجيا الغذائية والزراعة الذكية وإنتاج البروتينات البديلة؛ مما أوجد فرصًا اقتصادية واستثمارية جديدة.
يضم “اقتصاد العافية” 11 قطاعًا رئيسيًا تمكِّن المستهلكين من دمج أنماط الحياة الصحية في حياتهم اليومية. ويُعد قطاع الأكل الصحي والتغذية وفقدان الوزن من أكبر هذه القطاعات وأكثرها تأثيرًا؛ حيث بلغت قيمته نحو 1.1 تريليون دولار في عام 2024، ما يعكس المكانة المحورية للتغذية داخل هذا الاقتصاد المتنامي.
أوضح التحليل أن قطاع التغذية لم يعد مجرد عنصر داعم للصحة الفردية، بل أصبح أحد أهم محركات اقتصاد العافية وأكثرها قدرة على توليد القيمة الاقتصادية بفضل ارتباطه المباشر بسلوك المستهلك اليومي وتنامي الطلب على المنتجات الغذائية الصحية والوظيفية. ومع استمرار هذا الاتجاه، يُتوقع أن يظل قطاع التغذية في صدارة مكونات اقتصاد العافية خلال السنوات المقبلة مدفوعًا بالابتكار والتحول الرقمي وتزايد الوعي الصحي عالميًا.
أدت التحولات التي شهدتها العقود الأخيرة، بما في ذلك التغيرات في أنماط إنتاج الغذاء وتطور النظم الغذائية والتوسع الحضري المتسارع وتبدل أنماط الحياة، إلى تغيُّر واضح في السلوك الغذائي للأفراد؛ حيث زاد الاعتماد على الأطعمة فائقة المعالجة والغنية بالدهون غير الصحية والسكريات المضافة والملح.
وأشار التحليل إلى أبرز مؤشرات نمو سوق الأغذية الصحية عالميًّا؛ إذ قُدِّر حجم السوق بنحو تريليون دولار في عام 2025 مع توقعات بتضاعفه ليصل إلى نحو 2 تريليون دولار بحلول عام 2033 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.1% خلال الفترة (2026 – 2033). ويُعد ارتفاع وعي المستهلكين بالصحة والتغذية أحد أبرز المحركات الرئيسة لهذا النمو. وقد استحوذ قطاع الأغذية والمشروبات الوظيفية على الحصة الكبرى من إيرادات السوق بنسبة بلغت 52.01% في عام 2025 بما يؤكد تنامي الطلب على المنتجات الغذائية التي تجمع بين القيمة الغذائية والفوائد الصحية الإضافية وفقًا لتقديرات شركة أبحاث السوق Grand View Research.
أشار التحليل إلى أن تأثير التوجه المتزايد نحو الأغذية الصحية لم يقتصر على تغيير أنماط الاستهلاك فحسب بل امتد ليُحدث تحولات واسعة في قطاعات الإنتاج والاستثمار والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالغذاء. وهو على النحو التالي:.
- تحفيز الاستثمارات في الصناعات الغذائية المُتخصصة: لم يعد تأثير الغذاء على سلامة الجهاز الهضمي والصحة العامة وشفافية المكونات الغذائية مجرد اعتبارات ثانوية أو تفضيلات هامشية لدى المستهلكين بل أصبحت من العوامل الرئيسية المؤثرة في قرارات الشراء وتوجهات السوق. وقد دفع هذا التحول شركات الأغذية والعلامات التجارية والمطاعم وتجار التجزئة إلى إعادة تقييم منتجاتهم واستراتيجياتهم التسويقية بما يتوافق مع أولويات المستهلكين المتغيرة.
- الزراعة تتغير وفقًا للحمية العالمية: حيث أشار التحليل إلى أن التحولات العالمية نحو الأنظمة الغذائية الصحية أصبحت أكثر من مجرد تغيير في سلوك المستهلك؛ إذ امتدت آثارها بشكل مباشر إلى إعادة تشكيل الأنشطة الزراعية وسلاسل الإنتاج الغذائي حول العالم. فقد أدّى تزايد الإقبال على الأنظمة الغذائية النباتية إلى ارتفاع الطلب على محاصيل مثل: فول الصويا والشوفان واللوز والبقوليات مقابل تباطؤ نسبي في نمو بعض أسواق اللحوم الحمراء في عدد من الدول المتقدمة بما يعكس تحوّلاً تدريجيًّا في مصادر البروتين وأنماط الاستهلاك الغذائي.
- التجميل الطبي في صدارة القطاعات الصحية الأسرع نموًّا: فمع تزايد اهتمام الأفراد بالصحة واللياقة والمظهر الخارجي أصبح المستهلك ينظر إلى التغذية السليمة وممارسة النشاط البدني والإجراءات التجميلية باعتبارها عناصر متكاملة ضمن رحلة تحسين جودة الحياة.
- اقتصاد الصحة الرقمية: أسهمت الحميات الغذائية والتحوُّل العالمي نحو أنماط الحياة الصحية في نشوء قطاع رقمي متكامل يقوم على توظيف التكنولوجيا في مجالات التغذية والصحة ليُشكِّل ما يمكن اعتباره اقتصاد الصحة الرقمية.
وأشار التحليل إلى أن قطاع التغذية وإدارة الوزن في مصر يشهد نموًّا متسارعًا حيث أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بتحولات أنماط الاستهلاك وتزايد الوعي الصحي. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن سوق النيوتراسيوتيك (الأغذية الوظيفية والمكملات الغذائية) في مصر بلغت نحو 1.26 مليار دولار في عام 2024 مع توقعات بوصولها إلى 2.44 مليار دولار بحلول عام 2033 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 7.7% مدفوعًا بزيادة الطلب على التغذية الوقائية ومنتجات دعم المناعة وإدارة الوزن.
كما تعكس سوق المكملات الغذائية جانبًا مهمًّا من هذا الاقتصاد؛ إذ قُدِّرت قيمتها بنحو 326 مليون دولار في عام 2024 مع توقع نموّها بمعدل يقارب 9.2% حتى عام 2030 مدفوعةً بالتحولات الديموجرافية وارتفاع نسبة الشباب وزيادة الاهتمام باللياقة البدنية والتحكم بالوزن.
لفت التحليل إلى التوسع الملحوظ الذي تشهده مصر خلال السنوات الأخيرة في إطلاق المبادرات الوطنية الهادفة إلى تعزيز الصحة العامة ومكافحة الأمراض غير السارية وفي مقدمتها السمنة وسوء التغذية باعتبارها أحد أبرز التحديات الصحية والاقتصادية التي تؤثر على الإنتاجية وجودة الحياة.
ومن أبرز هذه الجهود المبادرات الرئاسية للصحة العامة التي تمثل مظلة متكاملة لعدد من البرامج القومية مثل مبادرة «100 مليون صحة» التي استهدفت الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة كالسمنة وارتفاع ضغط الدم والسكري بالإضافة لمبادرات متخصصة مثل الكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم بين تلاميذ المدارس والتي تهدف لبناء جيل صحي قادر على النمو والإنتاج من خلال التدخل المبكر بالمراحل العمرية الحرجة.
كما تعكس هذه المبادرات إدراكًا متزايدًا لخطورة السمنة باعتبارها أحد أهم مسببات الأمراض غير السارية بما يفرض أعباءً متزايدة على النظام الصحي والاقتصاد القومي مما يسهم أيضًا برامج التوعية والفحص المبكر لتحسين معدلات الاكتشاف والتدخل العلاجي وتعزيز ثقافة نمط الحياة الصحي داخل المجتمع.

