أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلاً جديداً حول “اقتصاد الرعاية”، الذي يمثل إحدى الركائز غير المرئية للنشاط الاقتصادي، حيث يدعم القدرة الإنتاجية من خلال تعزيز رأس المال البشري عبر مختلف مراحل الحياة. ومع تصاعد التحولات الديموغرافية وتزايد الطلب على خدمات الرعاية، تزايد الاعتراف بدوره في دعم مشاركة النساء في سوق العمل وتحقيق النمو المستدام والشامل. لم يعد يُنظر إليه كقطاع اجتماعي تقليدي فحسب، بل كمحرك اقتصادي يُسهم في خلق فرص العمل ورفع الإنتاجية وتقليص الفجوات بين الجنسين وتعزيز مرونة أسواق العمل. ومن ثم، أصبح تطوير نُظُم الرعاية والاستثمار فيها عنصرًا أساسيًّا لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية على المدى الطويل.
أوضح التحليل أن اقتصاد الرعاية، وفقًا لمنظمة العمل الدولية، يشمل جميع أعمال الرعاية؛ المدفوعة وغير المدفوعة، المباشرة وغير المباشرة، التي تُقدم من خلال القطاعين العام والخاص، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة والمنظمات غير الربحية وقطاع التضامن الاجتماعي والأسر. ويشمل هذا الاقتصاد مقدمي الرعاية ومتلقيها، بالإضافة إلى أصحاب العمل والمؤسسات التي تقدم خدمات الرعاية.
كما يشمل اقتصاد الرعاية أنشطة العاملين في قطاعات التعليم ورعاية الطفولة المبكرة والصحة والشؤون الاجتماعية والعاملين في المنازل والأفراد الذين يؤدون أعمال رعاية غير مدفوعة الأجر. تُعتبر أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر، التي غالبًا ما تُقدمها الأسرة والشبكات الاجتماعية لمتلقي الرعاية، ذات قيمة كبيرة لمتلقيها ومقدميها والمجتمع ككل.
تناول التحليل التقديرات العالمية التي تشير إلى أن النساء يؤدين يوميًّا نحو 16 مليار ساعة من أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر، والتي تشمل أعمالًا أساسية. وعلى الرغم من مركزية هذه الأعمال في استمرارية الحياة اليومية والاقتصاد، فإنها غالبًا ما تبقى غير مرئية في الحسابات الاقتصادية الرسمية ولا تُحتسب ضمن الناتج المحلي الإجمالي.
تعكس هذه المفارقة حقيقة هيكلية؛ إذ تؤدي النساء نحو 52% من إجمالي العمل عالميًّا ويُعد جزء كبير من هذا العمل غير مدفوع الأجر مما يجعل اقتصاد الرعاية عنصرًا حاسمًا رغم تجاهله في السياسات الاقتصادية التقليدية.
وسلط المركز الضوء على تقرير حديث بعنوان “الاستثمار في اقتصاد الرعاية” الصادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2026، والذي أوضح أن الاستثمار في خدمات الرعاية يحقق آثارًا اقتصادية واجتماعية من خلال مسارين رئيسين هما آثار جانب الطلب وآثار جانب العرض. فمن جانب الطلب، يؤدي الاستثمار إلى توليد وظائف لائقة في قطاع الرعاية مما يُسهم في زيادة الطلب على عمل النساء وخفض معدلات البطالة ورفع معدلات المشاركة في سوق العمل ومستويات الدخل والأجور، وهو ما ينعكس في تحفيز النمو الاقتصادي المدفوع بالطلب والحد من الفقر.
أما من جانب العرض، يُسهم الاستثمار في توسيع الوصول إلى خدمات الرعاية الأساسية مما يعزز الصحة والقدرات البشرية ويحد من أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن تخفيف القيود الزمنية المفروضة على النساء نتيجة أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر مما يزيد من عرض عمل النساء ويحسن التوازن بين العمل والحياة وجودة الرعاية ويقلص الفجوة بين الجنسين بما يؤدي إلى رفع الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي المدفوع بالعرض وتحسين مستويات الرفاهة الاجتماعية.
استعرض التحليل الاتجاهات العالمية في اقتصاد الرعاية وذلك على النحو التالي:.
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى احتمال نقص عالمي في العاملين في مجال الرعاية الصحية لا يقل عن 10 ملايين عامل بحلول عام 2030 وقد يصل إلى أكثر من 78 مليونًا فيما بعد مما يحُد من قدرة الأنظمة الصحية على تقديم خدماتها. ويعاني حاليًّا نحو 60% من سكان العالم (نحو 4.5 مليارات شخص) من نقص الخدمات الصحية الأساسية مثل التطعيم ورعاية الأمومة الآمنة وعلاج الأمراض المزمنة مما ينعكس على تأخر العلاج وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والمواليد.
وفي السياق ذاته تشير تقديرات معهد ماكينزي للصحة لعام 2025 إلى أن سد فجوة نقص العاملين يمكن أن يمنع فقدان نحو 189 مليون سنة من العمر بسبب الوفاة المُبكرة والإعاقة (ما يعادل 7% من عبء المرض العالمي)، كما قد يحقق أثرًا اقتصاديًّا عالميًّا يُقدَّر بنحو 1.1 تريليون دولار منها نحو 300 مليار دولار من التوسع المباشر في وظائف القطاع إلى جانب مكاسب غير مباشرة ناتجة عن تحسين صحة القوى العاملة وزيادة الإنتاجية.
وعلى مستوى سوق العمل أشارت أحدث البيانات المنشورة على موقع منظمة العمل الدولية إلى أن عدد العاملين في خدمات الرعاية بلغ نحو 381 مليون عامل على مستوى العالم وأنه يوجد نحو 748 مليون شخص خارج القوى العاملة بسبب مسؤوليات الرعاية كما توجد فجوة في الأجور بين الجنسين بنسبة 24%.
وتُظهر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أكتوبر 2025 أن النساء يقضين متوسطاً قدره 2.5 ضعف عدد ساعات العمل غير المدفوعة يوميًّا مقارنة بالرجال فيما تتحمل الفتيات مبكرًا هذا العبء حيث يؤدين نحو 160 مليون ساعة إضافية يوميًّا في أعمال رعاية المنزل غير المدفوعة مقارنة بالفتيان. ويتسع هذا التفاوت نتيجة ضعف الخدمات العامة والبنية التحتية خاصةً بالمناطق الريفية والأسر التي تفتقر إلى المياه الجارية أو الكهرباء أو خدمات رعاية الأطفال بأسعار معقولة مما يزيد أعباء العمل غير المدفوع على النساء.
كما تمتد الفجوة إلى سوق العمل حيث تشغل النساء غالبية وظائف الرعاية المدفوعة كالتمريض والعمل المنزلي ورعاية الأطفال لكنها غالباً وظائف غير رسمية ومنخفضة الأجر وضعيفة الحماية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 80% ممن يعملون في المنازل هن نساء وكثيرات منهن مهاجرات ويواجهن استبعادًا من قوانين العمل مما يزيد تعرضهن للاستغلال ويؤكد أهمية تعزيز حقوقهن.
وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أظهرت البيانات أنه من المتوقع أن يستمر الطلب على العاملين بمجال الرعاية طويلة الأمد بالارتفاع خلال السنوات القادمة نتيجة لشيخوخة السكان وتغير أنماط الرعاية غير الرسمية وفقاً لتقرير المنظمة الصادر نوفمبر 2025.
أوضح التحليل أنه رغم هذا الطلب المتزايد ظل متوسط عدد العاملين بمجال الرعاية طويلة الأمد ثابتاً عند (5) لكل (100) شخص ممن تبلغ أعمارهم (65) عامًا فأكثر بين عامي (2013) و(2023) وذلك بـ(31) دولة توفر بياناتها ضمن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويواجه قطاع الرعاية طويلة الأمد صعوبات مستمرة لاستقطاب الكفاءات وتلبية الطلب المتزايد بسبب سوء ظروف العمل بما فيها تدني الأجور وارتفاع المخاطر البدنية والنفسية وعقود العمل غير النظامية وضعف التقدير.
كما يُعدّ العمل غير النظامي شائعاً بهذا القطاع ففي (31) دولة قدمت بياناتها كان أكثر من ثلث العاملين بمجال الرعاية طويلة الأمد يعملون بدوام جزئي مع نسب أعلى بكثير بأستراليا (91%) وهولندا (74%) وكوريا الجنوبية (69%). علاوةً على ذلك يعمل واحدٌ من كل ستة عاملين بمجال الرعاية طويلة الأمد بـ(28) دولة ضمن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعقود محددة المدة.
وفي ظل نقص العمالة تتزايد أهمية العمال المهاجرين بقطاعالرعايا طويلة الأمد ففي (26) دولة أوروبية ضمن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ارتفعت نسبة العاملين الأجانب بهذا القطاع منذ عام (2014) بنسبة %14 لتصل إلى %21 عام (2024).
أكد التحليل أن التقديرات العالمية والإقليمية الجديدة لمنظمة العمل الدولية تشير إلى أن مسؤولياتالرعايا لا تزال السبب الرئيس لغياب النساء عن القوى العاملة ففي عام (2023) بلغ عدد الأشخاص غير المشاركين بسوق العمل عالمياً ممن تبلغ أعمارهم (15) عامًا فأكثر حوالي (2.4) مليار شخص منهم (1.6) مليار امرأة (%66). كما أظهرت البيانات أن حوالى(748) مليون شخص بين هؤلاء الذين لم يشاركوا بسوق العمل أشاروا لمسؤوليات رعايا كسبب لعدم مشاركتهم وهو ما يمثل أكثر من (%30) من إجمالي هؤلاء عالميّاً.
في المقابل لا تتجاوز نسبة الرجال غير النشطين بسوق العمل الذين يعزون عدم مشاركتهم لمسؤوليات رعايا (%5) مما يُبرز التفاوت الصارخ بين الجنسين بتوزيع أعباءالرعايا فالنساء يضطلعن بالنصيب الأكبر لرؤية الأطفال ورعايتهم ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة والأشخاص المحتاجين لرعايا طويلة الأمد فضلاً عن الأعمال المنزلية وغيرها من مسؤولياتالرعايا بينما الرجال يرجعون غالبا (%58) عدم مشاركتهم بسوق العمال لأسباب شخصية مثل الدراسة أو المشكلات الصحية.
أوضح التحليل أن بيانات مستمدةمن(108) دول تشير إلى أن (%60)من الرجال الذين ذكروا أسبابا شخصية لعدم مشاركتهم بسوق العمال كانوا يدرسون مقارنةً بـ(%22) فقطمن النساء وهذا يدل على وجود عوامل شخصية أخرى بجانب التعليم تحدد مشاركة النساء بالقوى العاملة منها الأعراف الثقافية والتوقعات المجتمعية التي تثنيهن عن الانخراط بسوق العمال وتجدر الإشارة هنا بأن فئة “الأسباب الشخصية” تشمل أيضا أولئك الذين لا يرغب شركاؤهم بانخراطهم بعمل مدفوع الأجر فضلا عن أسباب أخرى خارجة عن إرادتهم.
أما فيما يتعلق بالمناطق الجغرافية أشار التحليل الى ان بعض مناطق إفريقيا والدول العربية سجلت أعلى معدلات بقاء خارج سوق العمال بسبب الالتزامات للرعايا ففي شمال إفريقيا تشير(%63 )من النساء الغير عاملات لأسباب تتعلق بالرعايا بينما تبلغ هذه النسبة(%59 )في الدول العربية.

