Published On 14/8/2026.

أكد بيوتر فرادكوف، رئيس مجلس إدارة بنك “بي إس بي” الروسي، أن التخلي عن الدولار في المدفوعات الدولية لا يحل المشكلة بالكامل، وأن الانتقال إلى عملات أخرى لا يعني بالضرورة التخلص من الاعتماد على البنية التحتية المالية الخارجية.

وفي مقابلة مع موقع “آر بي كيه”، أوضح فرادكوف أن روسيا تسعى لزيادة استخدام العملات الوطنية في تجارتها الخارجية، لكن الاعتماد على البنية التحتية الدولية سيظل قائماً طالما أن عمليات الدفع مرتبطة بجهات خارجية تتحكم في عمليات التحويل والسيولة.

في الوقت نفسه، حذر فرادكوف من التعامل مع العملات المستقرة كحل نهائي، مشيراً إلى أنها قد تكون أداة مؤقتة للتكيف مع عالم سريع التغير.

وأشار في هذا السياق إلى أن حجم العمليات المرتبطة بالعملات المستقرة بلغ نحو 33 تريليون دولار عام 2025، بزيادة قدرها 72% على أساس سنوي، مقارنة بـ16.7 تريليون دولار لحجم عمليات “فيزا” و10.6 تريليونات دولار لـ”ماستركارد” خلال العام نفسه.

علاوة على ذلك، شدد فرادكوف على أن استخدام العملات المستقرة لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الدولار، إذ إن نحو 98% من قيمة هذه العملات ترتبط به. ورغم أن العملات المستقرة توفر وسيلة مريحة وسريعة لنقل القيمة، إلا أن ارتباطها بالدولار يمكن أن يبقي شكلاً من أشكال الاعتماد على المنظومة المالية الأمريكية.

بناءً على ذلك، قد يتجه مستقبل العملات المستقرة نحو أدوات أخرى مرتبطة بالأصول الرقمية، مثل السندات الإلكترونية والحلول القائمة على الترميز وأشكال مختلفة من نقل القيمة.

نظام مالي جديد

مع ذلك، يؤكد فرادكوف أن العالم يتجه نحو مجموعة من الأنظمة الوطنية والإقليمية وبين الإقليمية التي ستتنافس فيما بينها، مثل المنافسة القائمة بين البنوك وأنظمة الدفع والمنصات التكنولوجية.

ويستشهد في هذا السياق بتطور العملات الرقمية للبنوك المركزية، مشيراً إلى ارتفاع عدد الدول التي تدرس أو تطور هذه العملات من 35 دولة في مايو/أيار 2020 إلى 146 دولة حالياً. كما يشير إلى تطور نظام “سي آي بي إس” (CIPS) الصيني ومحاولات دول مثل إندونيسيا والبرازيل لتطوير سياسات مستقلة في مجال التجارة الدولية.

وفقاً لرأيه، فإن نظام “سويفت” الذي يربط العديد من المؤسسات حول العالم لم يعد محايداً من الناحية السياسية. لذلك تسعى دول لإنشاء بنيتها الخاصة للمدفوعات، مما يسمح لها بالتحكم في تدفقاتها التجارية الثنائية وكذلك العمليات مع دول ثالثة.

لذا يقول فرادكوف إن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا المستخدمة بل بمن يسيطر على البنية التحتية التي تتحرك من خلالها الأداة المالية. وهذه النقطة ستؤدي إلى ظهور منافسة جديدة في سوق آليات الدفع بما فيها حلول قائمة على الأصول الرقمية والعملات المستقرة، مما يسهم في إعادة تشكيل منظومة المدفوعات الدولية.

من هذا المنطلق، يعتبر فرادكوف تطوير أدوات مالية رقمية محلية وبنية تحتية خاصة للمدفوعات أمراً مهماً بالنسبة لروسيا. ويضيف أن دولاً أخرى تعمل في الاتجاه نفسه مثل إندونيسيا والبرازيل واليابان وتركيا وكازاخستان التي تبحث أو تطور أدوات مرتبطة بعملاتها أو أصولها الوطنية لاستخدامها في المدفوعات الدولية.

أسواق واعدة

يرى المتحدث أن السوق الأفريقية تمثل مجالاً كبيراً لتوسع نطاق الطرق البديلة نظراً للتوقعات بارتفاع عدد سكان القارة إلى 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050. كما أن العديد من هذه الدول لا تزال تفتقر إلى بنوك مركزية.

ويشدد فرادكوف على أن الهدف ليس الالتفاف حول القيود بل إنشاء سوق جديدة؛ فالسيادة المالية والتكنولوجية تمثلان مسألة بالغة الأهمية للدولة وأي مهمة من هذا النوع يجب أن تكون مجدية اقتصادياً.

وأوضح أن الحاجة لهذه الخدمات موجودة لدى المصدرين والمستوردين الروس لكنها أصبحت أيضاً موضع اهتمام دول ثالثة تبحث عن أدوات بديلة لإجراء المدفوعات فيما بينها. فمجال المدفوعات العابرة للحدود أصبح أكثر أهمية في ظل التطورات التي شهدها النظام المالي العالمي خلال السنوات الأخيرة. كما أن المنافسة لم تعد تقتصر على السلع أو شروط تمويل الصادرات بل امتدت إلى القدرة على توفير آليات دفع موثوقة ومستقلة.

ويتابع أنه كانت الدول تتنافس سابقاً على شروط تمويل صادراتها عبر تقديم قروض أرخص أو آجال أطول أو ضمانات وتغطية للمخاطر. إلا أن القدرة على إجراء المدفوعات أصبحت اليوم عنصرًا أساسياً في أي صفقة تجارة خارجية. والسؤال لم يعد يتعلق فقط بالعملة المستخدمة في الدفع بل بمدى استقلالية البنية التحتية التي تمر عبرها العملية.

فالخدمات المصرفية التقليدية أصبحت أكثر تكلفة وأبطأ والتحويلات التقليدية قد تستغرق أياماً وتتطلب دفع عمولات مما يزيد تكلفة التجارة بالنسبة للشركات.

الرد الروسي

يقول فرادكوف إن الهدف من إنشاء نظام الدفع الروسي “إيه 7″ (A7) للمعاملات التجارية الخارجية والعابرة للحدود هو تأمين القدرة على إجراء العمليات الدولية بصورة مستقلة عن القيود الخارجية. ويضيف أنه تم تصميم هذا النظام لمعالجة المدفوعات الدولية عبر تجاوز نظام سويفت التقليدي نتيجة للقيود التي واجهها القطاع المالي الروسي عام 2022 والتي تعتبر الأشد تأثيراً على الاقتصاد الروسي.

وأوضح أن المنظومة الروسية تعتمد على تجمعات موزعة للسيولة موجودة في دول مختلفة وبعملات متعددة وأن العمليات تتم داخل الإطار القانوني لكل دولة تعمل فيها المنظومة. وحسب وصفه فإن إدراج هذه المنظومة ضمن قوائم العقوبات الأوروبية كـ”مشروع بنية تحتية مستقل” يعكس انتقال المنافسة إلى مستوى منظومات الدفع الكاملة.