يرى خبيران تحدثا لـ”مصراوي” أن الفجوة التي تظهر أحيانًا بين السعر العالمي للذهب والسعر المتداول في السوق المصرية لا ترتبط بعامل واحد، بل تتشكل من حركة الأوقية عالميًا وسعر الدولار أمام الجنيه، إلى جانب هامش تحوط قد تلجأ إليه محال الصاغة عند تسارع حركة الأسعار.

وأوضحا أن هذا الهامش يظل محدودًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح أكثر وضوحًا خلال فترات التوترات الجيوسياسية والتذبذبات الحادة.

تحرك الجنيه

قال أحمد معطي، محلل الأسواق العالمية، إن العامل الأكثر تأثيرًا في الفترة الحالية هو حركة الذهب في السوق العالمية، بعدما أصبحت الأوقية تتحرك في نطاقات واسعة خلال فترات زمنية قصيرة، مما يصعّب على التجار إعادة التسعير مع كل حركة جديدة.

وأوضح معطي لـ”مصراوي” أن الدولار أمام الجنيه يتحرك حاليًا في نطاقات يومية محدودة نسبيًا، بنحو 20 قرشًا إلى ربع جنيه صعودًا أو هبوطًا، وبالتالي فإن هذا العامل لم يعد وحده كافيًا لتفسير الفجوات التي تظهر في بعض أوقات التذبذب، خاصة مع غياب سوق موازية للدولار.

وتدعم حركة السوق العالمية هذه القراءة؛ إذ قال مجلس الذهب العالمي إن الذهب مر خلال النصف الأول من 2026 بأحد أكثر فترات التذبذب حدة، بعدما سجل أكثر من 12 مستوى قياسيًا جديدًا في يناير، ووصل إلى 5405 دولارات للأوقية قبل أن يتراجع إلى نحو 4002 دولار في يونيو.

بينما ارتفعت التقلبات المحققة إلى أكثر من 50% خلال ذروة الاضطرابات، قبل أن تهبط إلى أقل من 30% بنهاية يونيو، لكنها ظلت أعلى بكثير من متوسطها التاريخي البالغ نحو 17%.
ويرى معطي أن هذه البيئة تجعل محال الصاغة أمام مشكلة عملية: فقد يبيع التاجر الذهب بسعر قائم ثم يجد نفسه بعد فترة قصيرة مضطرًا لشراء الكمية نفسها بسعر أعلى. ولذلك يلجأ إلى ما يعرف بـ”هامش الأمان” لتقليل مخاطر إعادة تكوين مخزونه.

ولم تكن هذه المخاطر نظرية خلال الأسابيع الأخيرة؛ ففي 5 أغسطس قفز سعر الذهب الفوري بنسبة 4.4% في جلسة واحدة إلى 4253.36 دولار للأوقية، وهو أكبر مكسب يومي منذ فبراير. وقد كان ذلك مدفوعًا بتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وضعف الدولار وتطورات مرتبطة بالمفاوضات حول الصراع مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز. وفي اليوم التالي استقرت الأسعار قرب 4244 دولارًا بعدما أثرت قفزة أسعار النفط وتجدد مخاوف التضخم على توقعات الفائدة الأمريكية.

ما هو هامش الأمان؟

وهنا يضع معطي تقديره لهامش الأمان عند نحو 3% من السعر العالمي. موضحًا أن الذهب قد يتحرك في الأيام الهادئة بنحو 1%، بينما يمكن أن تصل الحركة إلى 5% في يوم واحد عند ظهور تطورات جيوسياسية مفاجئة. وبالتالي فإن 3% تمثل تقديرًا معقولًا من منظور السوق العالمية.

لكن هذا الرقم ليس قاعدة رسمية للتسعير في مصر، وإنما هو تقدير تحليلي منه كمحلل للأسواق العالمية. فالهامش الفعلي الذي يضعه التاجر يتأثر أيضًا بتكلفة المخزون وسرعة إعادة الشراء وظروف السوق المحلية.

الذهب العالمي يفرض قواعده على السوق المصرية

من جانبه، يقدم نادي نجيب سكرتير شعبة الذهب سابقًا أساساً أبسط لفهم العلاقة بين السعرين. حيث ذكر أن الذهب سلعة عالمية وأن السوق المصرية لا تضع سعرًا مستقلًا عن الأسواق الخارجية.

وقال نجيب لـ”مصراوي” إن “الذهب سعره عالمي ومش سعر محلي” موضحاً أن ارتفاع الأوقية في البورصات العالمية ينعكس على السوق المصرية كما يؤدي تراجعها إلى انخفاض الأسعار محلياً. ويعد سعر الدولار عنصر أساسي لتحويل السعر العالمي إلى الجنيه.

وبحسب نجيب فإن المعادلة الأساسية تقوم على ضرب سعر الأوقية العالمية في سعر الدولار المصري للوصول إلى السعر المحلي للجرام قبل إضافة المصنعية والعناصر التجارية الأخرى. وهذا يفسر لماذا لا يمكن قراءة أي فجوة بين السعرين بمعزل عن حركة العملة؛ فحتى إذا استقرت الأوقية عالميًّا فإن ارتفاع الدولار أمام الجنيه يرفع القيمة المحلية للذهب والعكس صحيح.

وكشف تقرير آي صاغة عن ارتفاع الفجوة السعرية بين السعر المحلي للذهب والسعر العادل المحسوب وفقاً لسعر الأوقية العالمية إلى نحو 57.97 جنيه بما يعادل 0.93%.
وأضاف التقرير أن هذا التحرك في الفجوة السعرية يعد طبيعيًّا في ظل حالة الترقب التي تسيطر على السوق ولا يعكس بالضرورة تغيراً جوهرياً في اتجاه الأسعار.

أين يدخل “هامش التحوط”؟

رغم تأكيده أن التسعير يقوم أساساً على الأوقية والدولار، يقر نجيب بوجود هامش تحوط محدود عندما تصبح حركة السوق شديدة.

وقال إن محال الذهب قد تلجأ في فترات التذبذب الكبير إلى هامش يتراوح بين 1% و2% بهدف مواجهة التحركات السريعة في الأسعار.

ويختلف تقدير نجيب عن معطي في النسبة لكنهما يتفقان على نقطة جوهرية: الهامش ليس هو الأصل في التسعير وإنما يظهر بصورة أكبر عندما يصبح تحرك السوق سريعاً بما يكفي لتهديد قدرة التاجر على إعادة شراء ما باعه بالسعر نفسه.

ويقول نجيب إن هذا الهامش يرتبط خصوصاً بفترات التوتر والحروب والتطورات الجيوسياسية بينما تعود السوق تحت الظروف العادية إلى آلية التسعير المعتادة.

لماذا أصبحت التقلبات مشكلة أكبر؟

مجلس الذهب العالمي أشار في تقريره للنصف الأول من عام 2026 إلى أن المخاطر الجيوسياسية كانت من أبرز محركات أسعار الذهب خاصة تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني بالإضافة لتغير مراكز المستثمرين وجني الأرباح. كما ساهمت تحركات العملة وتوقعات الفائدة بزيادة حساسية المعدن للأخبار الاقتصادية والسياسية.

وفي أغسطس ظهر هذا التداخل بوضوح؛ فارتفاع النفط نتيجة مخاوف مرتبطة بمضيق هرمز يمكن أن يرفع توقعات التضخم مما قد يدفع الأسواق لتسعير فائدة أمريكية أعلى وهو ما يضغط على أسعار الذهب بينما تصاعد المخاطر الجيوسياسية نفسها يدفع المستثمرين للمعدن باعتباره ملاذاً آمناً.

وقد شهدت السوق يوم السادس من أغسطس توازنًا بين العاملين بعدما عوضت قفزة النفط الضغوط الداعمة للذهب واستقرت الأوقية بعد قفزة تجاوزت الـ4% خلال الجلسة السابقة.

الفجوة السعرية.. متى تصبح مقلقة؟

يقول معطي إن وجود هامش أمان لا يعني تلقائيًّا وجود خلل بالسوق المصرية لأن التاجر في أي سوق يواجه خطر إعادة شراء المخزون بسعر أعلى عندما تتسارع الأسعار.

لكن نقطة القلق الحقيقية تتمثل وفق وجهة نظره بعودة سوق موازية للدولار لأن وجود سعر صرف غير رسمي يمكن أن يضيف طبقة أخرى من الفجوة فوق الفارق الناتج عن تحركات الذهب العالمية.

أما نجيب فهو يؤكد أن السوق المصرية تظل مرتبطة بالسعر العالمي وأن هامش التحوط أثناء أوقات التذبذب لا يغير هذه القاعدة الأساسية.

الذهب يتحول أكثر إلى أداة ادخار

كانت مشتريات المصريين من الذهب قد سجلت نحو 10.9 طن خلال الربع الأول من عام 2026 بانخفاض قدره 2% على أساس سنوي بينما ارتفعت مشتريات السبائك بنسبة 22% لتصل إلى نحو 5.7 طن مقابل تراجع مشتريات المشغولات بنسبة تصل إلى نحو19% لتبلغ حوالي5.2 طن وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.

وأشار المجلس أيضًا إلى استمرار حساسية أسعار الذهب للمخاطر الجيوسياسية وتحركات المستثمرين خلال النصف الأول من عام2026 فيما ظلت تدفقات صناديق الذهب المتداولة عالميًّا إيجابية منذ بداية العام رغم خروج أموال منها خلال يونيو الماضي.
أخيراً يرى نادي نجيب أن هامش التحوط الذي قد تستخدمه محال الذهب أثناء فترات التذبذب يتراوح بين1% و2% بينما يُقدّر أحمد معطي الهامش العادل بنحو3%.
وتشير بيانات السوق العالمية إلى أن مخاطر التسعير السريع ليست افتراضية؛ حيث سجلت الأوقية خلال عام2026 تحركات يومية عنيفة بينها قفزة بلغت4.4%في جلسة واحدة بشهر أغسطس بينما وصف مجلس الذهب العالمي النصف الأول من العام بأنه فترة اتسمت بتقلب مرتفع وتحركات حادة.