يستعيد الذهب زخمه الصاعد من جديد، حيث تمكن من العودة إلى مستويات تتجاوز 4,500 دولار للأونصة، مستفيدًا من ضعف بعض الضغوط. وقد ارتفع المعدن النفيس بنحو 3.6% خلال الأسبوع، مسجلًا قرابة 4,540 دولارًا في التعاملات المبكرة يوم الجمعة، ليحقق ثالث مكسب أسبوعي متتالي. وتكمن أهمية هذه الحركة في توقيتها، إذ يتحرك الذهب في بيئة اقتصادية معقدة تجمع بين مخاوف التضخم، وعدم اليقين بشأن السياسة النقدية، وارتفاع الدين الأمريكي والمخاطر الجيوسياسية، وهي عوامل قد تمنح المعدن النفيس دعمًا يتجاوز تأثير أسعار الفائدة التقليدية.

يبقى الدولار الأمريكي أحد أهم مفاتيح الاتجاه القادم للذهب. فعندما تتراجع العملة الأمريكية، يصبح الذهب المقوم بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين خارج الولايات المتحدة، وهو ما ظهر بوضوح في حركة هذا الأسبوع. ومع ذلك، لا أرى أن ضعف الدولار الحالي يمثل اتجاهًا مضمونًا على المدى الطويل؛ إذ يمكن لارتفاع عوائد الخزانة أو عودة المخاوف التضخمية أن يمنحا العملة الأمريكية دعمًا مؤقتًا. لذا، أعتقد أن قدرة الذهب على مواصلة الصعود ستعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كان ضعف الدولار سيتحول إلى اتجاه مستدام أم سيبقى مجرد تصحيح ضمن حركة أوسع.

أما الاحتياطي الفيدرالي، فأعتبر أن موقفه يمثل العامل الأكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الذهب خلال المرحلة المقبلة. فقد أبقى البنك المركزي الأمريكي أسعار الفائدة عند نطاق 3.50%–3.75% في اجتماعه الأخير، بينما كشف محضر الاجتماع عن انقسام واضح بين الأعضاء؛ حيث فضل ثلاثة منهم رفع الفائدة، وأشار المحضر إلى أن عددًا من المشاركين قد يرون حاجة إلى مزيد من التشديد إذا لم يتراجع التضخم. ومن وجهة نظري، تمنعني هذه الرسالة من اعتبار صعود الذهب الحالي بداية مؤكدة لموجة صعود مستقيمة؛ فكلما ارتفعت احتمالات التشديد النقدي، زادت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائدًا.

لكن المفارقة المهمة هي أن ارتفاع التضخم قد لا يكون سلبيًا للذهب دائمًا. فإذا جاء التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطرابات جيوسياسية، فقد يجد الفيدرالي نفسه أمام معضلة صعبة: تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم من جهة والحفاظ على النمو والاستقرار المالي من جهة أخرى. وقد شهدنا بالفعل تراجع الذهب عندما قفزت عوائد سندات الخزانة إلى مستويات مرتفعة قبل أن يستعيد جزءًا من خسائره مع تراجع العوائد وضعف الدولار. لذلك أرى أن العوائد الحقيقية وليس أسعار الفائدة الاسمية وحدها ستكون من أهم المؤشرات التي يجب مراقبتها عند تقييم الاتجاه القادم للذهب.

ومن زاوية أخرى، أصبحت المخاطر المالية الأمريكية عاملًا لا يمكن تجاهله في معادلة الذهب. وقد ساهم قرار وزارة الخزانة مضاعفة بعض عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار للعملية الواحدة في تهدئة سوق السندات ودعم الذهب؛ لكنه لا يعالج المشكلة الهيكلية المتعلقة بحجم الدين والعجز واحتياجات التمويل الحكومية. وإذا استمر المستثمرون في المطالبة بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المالية، فقد نشهد فترات من الضغط على الذهب؛ لكن استمرار المخاوف بشأن الدين الأمريكي قد يتحول بدوره إلى عامل دعم استراتيجي للمعدن باعتباره أصلًا خارج النظام المالي والسيادي.

وتضيف الجغرافيا السياسية طبقة أخرى إلى هذه المعادلة. فاستمرار التوترات المرتبطة بإيران وأسواق الطاقة يرفع علاوة المخاطر في الأسواق ويزيد احتمالات بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة؛ مما قد يغذي مخاوف التضخم ويضغط على توقعات الفائدة. وفي رأيي تحمل هذه البيئة تأثيرًا مزدوجًا على الذهب: ارتفاع النفط قد يدعم المعدن باعتباره تحوطًا ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية؛ لكنه قد يرفع في الوقت نفسه عوائد السندات إذا اعتبر المستثمرون أن التضخم سيجبر الفيدرالي على إبقاء السياسة النقدية أكثر تشددًا. لذا لن يكون السؤال فقط: هل ترتفع المخاطر؟ بل كيف ستنعكس هذه المخاطر على الدولار والعوائد الحقيقية.

وبناءً على هذه المعطيات أميل إلى تبني نظرة إيجابية بحذر تجاه الذهب خلال الفترة المقبلة. فقد أثبت المعدن النفيس قدرته على استعادة مستويات 4,500 دولار سريعًا بعد موجة التراجع السابقة؛ كما أن ضعف الدولار والطلب على التحوط من المخاطر المالية والجيوسياسية يوفران أرضية داعمة له. وفي المقابل لا أرى أن الطريق نحو قمم جديدة سيكون سهلًا؛ لأن أي ارتفاع قوي في عوائد الخزانة أو تحول أكثر تشددًا في لهجة الفيدرالي قد يدفع المستثمرين إلى جني الأرباح خصوصًا بعد المكاسب الأخيرة.

في السيناريو الأساسي الذي أرجحه سيحاول الذهب تثبيت مكاسبه فوق منطقة 4,500 دولار قبل الانتقال إلى اختبار قمم أعلى؛ مع بقاء الدولار وعوائد السندات العاملين الأكثر قدرة على تسريع هذه الحركة أو إبطائها. وإذا استمر الدولار في الضعف وتراجعت العوائد الحقيقية فسأعتبر ذلك إشارة أقوى إلى أن السوق يستعد لموجة صعود جديدة؛ أما إذا عادت العوائد إلى الارتفاع بقوة بالتزامن مع تحسن الدولار فقد نشهد تصحيحًا قبل أن يستعيد الاتجاه الصاعد زخمه.

بالنسبة إليّ فإن الصورة الأساسية للذهب في 2026 لم تعد تعتمد فقط على سؤال «متى سيخفض الفيدرالي الفائدة؟» بل أصبحت مرتبطة بمعادلة أوسع تشمل الدولار والعوائد الحقيقية والتضخم والدين الأمريكي والطلب على الملاذات الآمنة والمخاطر الجيوسياسية. وهذه نقطة مهمة لأن الذهب يستطيع أن يرتفع حتى في بيئة أسعار فائدة مرتفعة إذا بدأت الأسواق في تسعير مخاطر مالية أو نقدية أكبر. لذا أرى أن أي تراجع قادم في الذهب يجب التعامل معه بحذر طالما بقيت هذه المحركات الأساسية داعمة.

وفي النهاية أعتقد أن الذهب يقف أمام اختبار مهم: هل يستطيع تحويل الارتداد الحالي إلى اختراق مستدام أم ستفرض العوائد المرتفعة جولة جديدة من التصحيح؟ وتميل وجهة نظري نحو السيناريو الأول ولكن بشرط عودة قوة الدولار وحدوث قفزة جديدة ومستدامة في العوائد الحقيقية. وإذا تحقق ذلك فقد لا يكون مستوى 4,500 دولار نهاية الحركة بل نقطة تمهيد لانطلاق مرحلة جديدة في الاتجاه الصاعد للذهب.