تتجه السعودية نحو إعادة تشكيل سوق التعليم العام، من خلال فتح المجال لمشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي، وذلك ضمن نظام جديد يهدف إلى وضع إطار تنظيمي أكثر وضوحاً لحوكمة القطاع وتقديم خدماته، مما يعزز فرص الاستثمار ويزيد من كفاءة المنظومة التعليمية.
ويأتي هذا النظام في وقت يشهد فيه قطاع التعليم السعودي توسعاً تدريجياً في قاعدة المستثمرين والشركات المدرجة، مع تزايد الاهتمام بالفرص التجارية في مجالات التعليم والتدريب والخدمات المساندة، تماشياً مع مستهدفات “رؤية 2030”.
وقد صدر الشهر الماضي مرسوم ملكي بالموافقة على نظام التعليم العام، الذي يستهدف تعزيز إطار حوكمة التعليم العام وتوفير الممكنات اللازمة لتحقيق مستهدفاته، وتمكينه من رفع جودة البيئة التعليمية ومخرجاتها. كما يسعى النظام إلى تنظيم دور القطاعين الخاص وغير الربحي بما يتماشى مع مستهدفات “رؤية 2030”.
ويحدد النظام أدوار وزارة التعليم ومجلس شؤون التعليم العام والجهات ذات العلاقة، بما يدعم مواءمة السياسات والخطط والبرامج التعليمية، ويرفع كفاءة اتخاذ القرار، ويمكّن الوزارة من تطوير أدوات التنظيم والمتابعة والإشراف على قطاع التعليم العام.
كما يستهدف النظام دعم الاستثمار في التعليم من خلال تنظيم مشاركة القطاعين الخاص وغير الربحي في تقديم الخدمات التعليمية، وتعزيز جاذبية الاستثمار والشراكات وفق ضوابط واضحة. ويعمل ذلك على رفع جودة الخدمات ويوسع الخيارات التعليمية ويدعم استدامة تطوير المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة.
صدور مرسوم ملكي بالموافقة على #نظام_التعليم_العام في خطوة تعزز حوكمة التعليم العام وتوفر الممكنات اللازمة لتحقيق مستهدفاته، بما يدعم الارتقاء بجودة البيئة التعليمية ومخرجاتها. pic.twitter.com/HRXhOEPLNH
— وزارة التعليم (@moe_gov_sa) July 24, 2026.
ويرى خبراء أن أهمية النظام لا تقتصر على زيادة حجم الاستثمارات فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تغيير طبيعة السوق نفسها من خلال وضوح الأدوار التنظيمية وتوسيع نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص ورفع مستوى الحوكمة. وهذه عوامل من شأنها خفض المخاطر أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
وفي هذا السياق، قال الدكتور عبد الله السلوم، أستاذ المالية والاستثمار في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إن الموازنات العامة في السعودية اعتادت تخصيص جزء كبير للإنفاق على التعليم. مشيراً إلى أنه خُصص للتعليم نحو 200 مليار ريال (53.3 مليار دولار) في آخر ميزانية، مما يمثل حوالي 18% من إجمالي الإنفاق الحكومي.
وأضاف أن الإنفاق على التعليم يقدر بما يتراوح بين 5 و7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تضع السعودية أعلى من متوسط إنفاق الاقتصادات العالمية على التعليم ومن بين الأعلى بين دول مجموعة العشرين.
الاستثمار الأجنبي يتوسع.
وعلى مستوى الاستثمار، أشار السلوم إلى أن أرصدة الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع التعليم بلغت 3.43 مليار ريال (914.7 مليون دولار) بنهاية عام 2024، مرتفعة بأكثر من 13 ضعفاً مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات.
وقال إن القيمة لا تزال محدودة مقارنة ببعض القطاعات الاقتصادية الأخرى. إلا أن متوسط النمو السنوي المركب للاستثمارات الأجنبية المباشرة يقارب 130%، مما يعكس تطوراً ملحوظاً في جاذبية القطاع للمستثمرين الأجانب خلال العقد الماضي.
ومن هذه الزاوية يتوقع السلوم أن يسهم النظام الجديد في تعزيز هذا المسار عبر توسيع الخيارات الاستثمارية وتوفير إطار تنظيمي أكثر وضوحاً ومرونة لمشاركة القطاع الخاص والمستثمر الأجنبي.
وأشار إلى أن حجم الأثر سيبقى مرتبطاً بفعالية تطبيق اللوائح التنفيذية ومدى استجابة المستثمرين للفرص المتاحة.
8 شركات مدرجة في السوق.
ولفت السلوم إلى أن إدراج شركات التعليم في السوق السعودية مؤخراً بات ملحوظاً. موضحاً أن السوق المالية السعودية تضم حالياً ثماني شركات مدرجة تعمل في مجالات التعليم والتدريب.
وبحسب السلوم سجلت هذه الشركات إيرادات تقارب 3.4 مليار ريال (906.7 مليون دولار) خلال عام 2025 بنمو سنوي يقارب 12%. كما تعكس هذه الأرقام أن القطاع لا يقتصر على كونه أحد أكبر القطاعات من حيث الإنفاق الحكومي بل أصبح يمتلك قاعدة استثمارية وتجارية تتوسع تدريجياً مما قد يدعم استمرار نموه خلال السنوات المقبلة مع اكتمال المنظومة التنظيمية الجديدة.
تقاسم الأدوار ورفع كفاءة السوق.
ولا يتوقع السلوم أن تقتصر آثار النظام على زيادة حجم الاستثمارات فقط بل يرى أن الأهم يتمثل في تغيير طبيعة السوق. موضحاً أن وضوح الأنظمة وتوسيع نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص ورفع مستوى الحوكمة كلها عوامل تساهم في خفض مخاطر الاستثمار.
وأكَّد أن خفض مخاطر الاستثمار يمثل “العنصر الأكثر أهمية بالنسبة للمستثمر المحلي أو الأجنبي عند اتخاذ قرار الدخول إلى أي سوق”.
ويؤكد النظام حماية حقوق الإنسان في التعليم وحقوق الطلبة والمعلمين وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة مما يدعم جودة العملية التعليمية ويحسن تجربة الطلاب والطالبات بالإضافة إلى ترسيخ دور الأسرة في مساندة الرحلة التعليمية.
كما يدعم جودة الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة بما يواكب أهمية السنوات الأولى لبناء شخصية الطفل ومهاراته ويسهم أيضاً في تقديم خدمات تعليمية ومساندة أكثر ملاءمة لاحتياجات الطلاب ذوي الإعاقة داخل المؤسسات التعليمية بالإضافة إلى دعم رعاية الطلاب الموهوبين وتنمية قدراتهم.
وتعمل وزارة التعليم خلال المرحلة المقبلة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لاستكمال الأحكام التنفيذية والتنظيمية بما يضمن تطبيق النظام وفق منهجية واضحة تدعم تحقيق مستهدفات تطوير التعليم العام ورفع كفاءة مخرجاته.
<p ويتضمن نظام التعليم العام عدداً من الأحكام المنظمة لمراحل التعليم ومجلس شؤون التعليم العام والمؤسسات التعليمية والمسارات التعليمية والتعليم الإلكتروني والتعليم المستمر والبيئة التعليمية وحقوق الطلاب والمعلمين.

