لم يكن إعلان مجموعة e& الإماراتية التخارج الكامل من استثمارها في مجموعة فودافون مجرد صفقة بيع أسهم، بل يمثل تحولًا في فلسفة الاستثمار لدى المجموعة، التي باتت تميل إلى توجيه رؤوس أموالها نحو المشروعات التي تمنحها دورًا تشغيليًا مباشرًا في الاقتصاد الرقمي، بدلًا من الاكتفاء بدور المستثمر المالي في شركات الاتصالات العالمية.
ورغم أن البيان الرسمي للمجموعة ربط القرار بإعادة توجيه الأولويات الاستراتيجية والتركيز على الأعمال الأساسية، فإن توقيت الصفقة وحجم العائد المحقق والنتائج المالية للطرفين تكشف أن القرار جاء بعد وصول الاستثمار إلى مرحلة يمكن عندها تعظيم المكاسب والخروج في توقيت مناسب.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي أن فودافون قضت السنوات الأخيرة في تنفيذ برنامج واسع لإعادة هيكلة أعمالها، شمل التخارج من بعض الأسواق وإعادة ترتيب الأصول وخفض التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية، بعد سنوات من الضغوط التي واجهتها في عدد من الأسواق الأوروبية. وبالتالي فإن تحسن الأداء الحالي قد يكون منح المستثمرين، وفي مقدمتهم e&، فرصة مناسبة لتحقيق مكاسب رأسمالية عند مستويات تقييم أفضل.
في المقابل، لم تكن e& بحاجة إلى الاحتفاظ بهذا الاستثمار لدعم مركزها المالي. فالمجموعة تحقق بالفعل نموًا قويًا في أعمالها الأساسية؛ إذ سجلت خلال الربع الأول من 2026 إيرادات بلغت 19.4 مليار درهم بنمو 15.1%، وارتفعت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك إلى 8.6 مليار درهم بنمو 16.5%، بينما بلغ صافي الربح 2.9 مليار درهم. أما على مستوى نتائج عام 2025، فقد حققت المجموعة إيرادات قياسية بلغت 72.9 مليار درهم بزيادة 23.1%، وقفز صافي الأرباح إلى 14.4 مليار درهم بنمو 33.6%، مع وصول قاعدة مشتركيها إلى 248 مليون مشترك.
تشير هذه النتائج إلى أن المجموعة أصبحت تمتلك مصادر نمو مستقلة وقوية، مما يمنحها مساحة لإعادة تدوير استثماراتها نحو قطاعات ترى أنها أكثر ارتباطًا بمستقبل أعمالها مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والخدمات الرقمية.
ويعزز هذا الاتجاه ما ورد في البيان الرسمي الذي أكد أن المجموعة أنهت أيضًا اتفاقية التعاون مع فودافون واستقال ممثلها من مجلس إدارة الشركة، مما يعني أن العلاقة لم تعد قائمة على شراكة استراتيجية طويلة الأجل وإنما انتهت بتحقيق العائد الاستثماري المستهدف وإعادة توجيه رأس المال إلى أولويات جديدة.
كما تعكس الصفقة نفسها نجاح e& في اختيار توقيت التخارج؛ إذ باعت كامل حصتها البالغة 16.21% مقابل نحو 5.95 مليار دولار بعلاوة سعرية وصلت إلى 13% فوق سعر السوق، وهو ما وفر للمجموعة سيولة كبيرة وعائدًا نقديًا صافيا يقترب من 1.3 مليار دولار يمنحها مرونة أكبر لتمويل توسعاتها المستقبلية.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن بيع حصة e& في فودافون لا يعبر عن فقدان الثقة في الشركة البريطانية بقدر ما يعكس قناعة بأن المرحلة المقبلة تتطلب توظيف رأس المال في استثمارات تمنح المجموعة نفوذًا تشغيليًا أكبر وعائدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد امتلاك حصة في شركة مدرجة، خاصة مع تسارع المنافسة العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والخدمات التكنولوجية.

