قال الأكاديمي الأمريكى بول موسجريف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون، إن المواجهة العسكرية الأخيرة التي شنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران تمثل انتكاسة إستراتيجية تفوق بكثير مرارة الهزيمة الأمريكية التاريخية في فيتنام بحسب صحيفة فورين بوليسي.
ويوضح موسجريف أن حرب فيتنام، برغم كلفتها البشرية والسياسية الهائلة، لم تمنع الولايات المتحدة من حسم الحرب الباردة لصالحها والتربع على عرش النظام الدولي، بينما أدت الحرب الحالية في الشرق الأوسط إلى إضعاف النفوذ الأمريكي بشكل مباشر وعميق، مما جعلها حرب اختيار فاشلة ستترك ندوباً مستديمة على مكانة واشنطن عالمياً.
خبير أمريكى: ضربات أمريكا أسفرت عن نتائج عكسية تماماً لما خططت له واشنطن
وتكشف التحليلات الميدانية عن مفارقة لافتة، فبرغم غياب التعبئة الشعبية أو الاحتجاجات الواسعة داخل المدن الأمريكية، ومحدودية الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأمريكي مقارنة بحروب القرن الماضي، إلا أن المعيار الحقيقي للهزيمة يكمن في حجم الدمار الذي لحق بالأهداف الإستراتيجية. فقد أسفرت الضربات عن نتائج عكسية تماماً لما خططت له واشنطن، وبدلاً من إسقاط النظام أو إضعافه، ساهمت المعركة في تعزيز قبضة التيارات المتشددة وصعود الحرس الثوري كلاعب أقوى داخل الدولة الإيرانية، مما أجهض الطموحات الأمريكية في هندسة نظام سياسي موالٍ لها في طهران.
وعلى الصعيد العسكري، أظهرت المعارك حدود القوة التكنولوجية والترسانة التقليدية للولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، بعد أن صمد البرنامج النووي الإيراني أمام جولتين من القصف الجوي المكثف، مما يبدد فرص نجاح أي مغامرة عسكرية ثالثة. وتزداد الأمور تعقيداً بعد نجاح الدفاعات الإيرانية في اختراق بعض المنظومات الأمريكية، فضلاً عن الآثار الأخلاقية الكارثية وسقوط ضحايا من المدنيين جراء أخطاء في قواعد البيانات العسكرية، وهو ما بات رمزاً لإخفاق التخطيط والجاهزية الأمريكية في خوض نزاعات طويلة الأمد ضد خصوم يمتلكون قدرات تنظيمية عالية.
ولم تتوقف شظايا هذه الحرب عند الحدود الإقليمية، بل امتدت لتهدد ركائز الاقتصاد العالمي وحرية الملاحة الدولية التي ظلت واشنطن تضمنها لأكثر من قرنين. فقد منحت الحرب طهران ورقة ضغط جيوسياسية دائمة عبر التهديد المستمر لخطوط الإمداد في مضيق هرمز، مما يضع أمن الطاقة والتجارة العالمية في خطر مستمر. ويجعل هذا الترابط المعقد خيار الانسحاب الأمريكى من الخليج معضلة حقيقية تتجاوز مجرد تأمين النفط والغاز لتشمل سلاسل توريد الأسمدة والألمنيوم، مما ينذر بعقد قادم مشحون بالمخاطر الأمنية التي ستمتد آثارها مباشرة نحو أوروبا وجنوب آسيا.
ويخلص التحليل الصادم في صحيفة فورين بوليسي إلى أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم في الموقف الأضعف على الإطلاق، وسط تراجع حاد في ثقة الحلفاء الإقليميين بقدرة واشنطن على حمايتهم، وتنامي حالة من الانكفاء الداخلي لدى الرأى العام الأمريكي الذي يرفض دعم أي مغامرات عسكرية جديدة. ويتوقع الكاتب أن يقف المؤرخون بعد عقود من الآن حائرين أمام الدوافع التي قادت واشنطن لخوض هذه المعركة، لتدخل حرب إيران التاريخ كواحدة من أكبر الخطايا والإخفاقات الإستراتيجية في تاريخ أمريكا الحديث.

