مع انحناء تسديدة خوليان ألفاريز إلى الزاوية العليا للمرمى السويسري، مُسجلاً هدفًا يُعتبر من الأجمل في تاريخ كأس العالم، بدا المشهد مثاليًا لدرجة يصعب تصديقها. لم يكن الهدف رائعًا فحسب، بل كان يحمل أيضًا دلالات كبيرة.

في المقصورة المخصصة لكبار الشخصيات في (فيفا)، بعيدًا عن الاحتفالات الصاخبة للأرجنتينيين، كان رئيس اتحاد أميركا الجنوبية لكرة القدم (كونميبول)، أليخاندرو دومينغيز، يحتفل بحماسة لا تقل عن حماسة الأرجنتينيين. كان ذلك رد فعل لافتًا من باراغوياني، إذ اندفع لمعانقة رئيس الاتحاد الأرجنتيني، كلاوديو تابيا، كأنه من أبناء البلد نفسه.

هذا الأمر مفهوم، لأن الهدف كان من النوع الذي يدفعك للوقوف تلقائيًا، وضَمِن وجودًا لأميركا الجنوبية في نصف النهائي كانت القارة في أمس الحاجة إليه. بلا شك، كانت أروقة (فيفا) تحتفل بهذه النتيجة. فقد رسم هذا الهدف نصف النهائي الذي تمنى الكثيرون حدوثه في بلد يُعرف بأنه موطن الترفيه. وبالطبع، شعر معظم المشجعين بنفس الإحساس.

أقوى نصف نهائي في تاريخ كأس العالم؟

بعد بطولة كأس عالم جاءت، على غير المتوقع، فقيرة نسبيًا في المواجهات الكبرى رغم اتساعها، ولم تشهد سوى قمة إسبانيا والبرتغال، نجد أنفسنا الآن أمام مباراتين من العيار الثقيل، مع ضمان نهائي سيكون حدثًا استثنائيًا.

سلطت دعاية (فيفا) الضوء على أن هذه هي المرة الأولى التي يضم فيها نصف نهائي كأس العالم المنتخبات الأربعة الأولى في التصنيف العالمي. كما أنها المرة الأولى منذ عام 1990 التي تضم فيها المربعات الأخيرة أربعة منتخبات سبق لها الفوز باللقب.

هذا التشابه مع مونديال إيطاليا، الذي يُعتبر الأكثر شعبية لدى الكثيرين، يتماشى أيضًا مع حقيقة أن هذه ربما تكون المجموعة الأكثر جاذبية في نصف النهائي على مر السنين وقد تصبح الأفضل على الإطلاق بحسب ما ستسفر عنه المباريات.

يكفي استعراض النسخ السابقة للمقارنة. فقد كان نصف نهائي 2014 الأقرب من حيث الأسماء، لكن مواجهة الأرجنتين وهولندا انتهت بالتعادل السلبي. أما نسخة 2006 فكانت تمتلك الجودة لكنها اقتصرت بالكامل على منتخبات أوروبية وفي حقبة اتسمت بتحفظ أكبر.

أما الآن فهذه المواجهات تزخر بكل شيء: الجودة والتباين في الأساليب والنجوم والقصص المحيطة بها.

إسبانيا وفرنسا… صدام فلسفتين كرويتين

قبل أن تقلب أحداث السبت كل الموازين، وُصفت مواجهة فرنسا وإسبانيا بالفعل بأنها “النهائي الحقيقي” باعتبار أن البطل سيخرج منها.

قد لا تسير الأمور دائمًا بهذه الطريقة على أرض الواقع، لكن المنتخبين قدما حتى الآن أفضل ما في البطولة؛ إسبانيا صاحبة أقوى سجل دفاعي وفرنسا صاحبة ثاني أقوى سجل هجومي. بدا كلاهما الأفضل بفارق واضح عن بقية المنافسين.

يزيد هذا الصدام إثارة لأنه يُعتبر معركة على مستقبل كرة القدم نفسها. بينما أتقنت إسبانيا لعبة المراكز التي طورها بيب غوارديولا بشكل لم ينجح فيه أي منتخب آخر لتبدو المنظومة الجماعية الأكثر تكاملاً، اتجه مدرب فرنسا ديدييه ديشان نحو المدرسة التكتيكية المتطورة المعروفة باسم “العلاقاتية” التي تمنح اللاعبين مساحة أكبر للتصرف الفردي.

إنها مواجهة بين أوركسترا منظمة وارتجال موسيقى الجاز الحرة. قبل استحضار التاريخ المشترك بين البلدين الجارين وتاريخ المواجهات بين المنتخبين. كما عادت إلى الواجهة تصريحات أدريان رابيو عن لامين يامال قبل نصف نهائي بطولة أوروبا 2024 عندما قال إنه بحاجة إلى “تقديم المزيد”.

الأرجنتين وإنجلترا… ملحمة تتجاوز حدود كرة القدم

ومع ذلك فإن كل هذا وحتى الطابع التقليدي للديربي الأوروبي يتضاءل أمام ما تمثله مواجهة الأرجنتين وإنجلترا.

فالنهائي الذي وُصف بأنه “الحقيقي” بات في الظل أمام ملحمة كروية حقيقية. ويزيد من رمزية اللقاء أنه يأتي بعد 40 عامًا من أشهر مباراة في تاريخ كأس العالم التي كانت في ربع نهائي نسخة 1986 وكأن أرواح ملعب “أزتيكا” لا تزال تحوم فوق هذه المواجهة.

وهي أول مباراة تجمع المنتخبين منذ عام 2005 والأولى بينهما في كأس العالم منذ نسخة 2002.

لهذا تتراكم مشاعر كثيرة ظلت مكبوتة طوال هذه الأعوام ويمكن ملاحظتها في عدد كبير من الهتافات الأرجنتينية ومنها أغنية “يا شباب” التي رافقت تتويج المنتخب في كأس العالم الأخيرة إذ تتضمن إشارات إلى “لاس مالفيناس” (جزر فوكلاند).

بالنسبة لأحد البلدين فإن المواجهة تتجاوز كرة القدم بينما بالنسبة للآخر هي مباراة كرة قدم قد تعني أكثر من أي مباراة أخرى خلال ستة عقود لأنها تمثل فرصة للعودة أخيرًا إلى نهائي كأس العالم.

بينما تسعى إسبانيا وفرنسا لتتويج موهبتيهما بصورة تليق بهما يحاول ليونيل ميسي وكيليان مبابي تعزيز إرثهما التاريخي ويبرز أيضًا قصة الانتظار الطويل حيث تُعتبر فترة انتظار إنجلترا للفوز بلقب جديد الأطول بين جميع المنتخبات التي سبق لها إحراز كأس العالم.

النجوم وصناعة اللحظات الحاسمة في البطولة

وللمفارقة فإن هذا الانتظار الطويل لهذه المواجهة يجعلها أول مباراة يخوضها ميسي أمام إنجلترا في مسيرته وهو إنجاز شخصي يتناسب مع كون هذه المباراة تدور حول النجوم أكثر من أي شيء آخر.

في النهاية لم تقترب لا إنجلترا ولا الأرجنتين من المستوى الجماعي الذي قدمته إسبانيا أو فرنسا بل إن مشكلاتهما جعلتهما أكثر اعتماداً على أفضل لاعبيهما.

بدلاً من أن يحسم النجوم المباريات باعتبار ذلك امتداداً طبيعياً لأداء الفريق وجد المنتخبان نفسيهما مراراً بحاجة إلى تدخلات أشبه بما يقدمه الأبطال الخارقون لإنقاذ الموقف.

وربما يكون هذا تحديداً ما يجعل المباراة أكثر فوضوية وإثارة ودرامية بما يتناسب تماماً مع طبيعة البطولة حتى الآن. فهي تبدو مواجهة يمكن أن يحدث فيها أي شيء تقريباً؛ سواء كان انتصارًا كاسحًا طال انتظاره لأي من الطرفين أو مباراة تمتد حتى ركلات الترجيح. وفي كل الأحوال سيكون (فيفا) سعيدًا بذلك.

إلى جانب وجود أفضل المنتخبات تؤكد محطة ميسي التاريخية أن أبرز هدافي البطولة وأفضل لاعبيها باستثناء إيرلينغ هالاند لا يزالون جميعاً حاضرين في هذه المرحلة الحاسمة؛ هناك ميسي ومبابي ومايكل أوليسيه وعثمان ديمبيلي وجود بيلينغهام وهاري كين والآن خوليان ألفاريز فيما لا يزال الجميع ينتظر اللحظة الكبيرة للامين يامال وهو أمر يدركه اللاعب نفسه.

إنها توليفة تثير الشهية ويزيد جمالها أن أي مواجهة محتملة في النهائي ستكون بنفس القدر من الجاذبية.

الجدل التحكيمي وختام البطولة المرتقب

وذلك كله قبل أن تنطلق المباريات أصلاً. فإذا واصلت هذه المواجهات الكبرى السير على النهج الذي اتسمت به البطولة حتى الآن فقد نجد أنفسنا بالفعل أمام أعظم مباريات نصف نهائي في التاريخ؛ ففي نهاية المطاف ما يميز أي بطولة حقًا هو الطريقة التي تختتم بها لأنها هي التي تبقى راسخة في الذاكرة. حتى مونديال أميركا 1994 بكل ما وفره من متعة خفت بريقه بسبب حرارة الطقس أما هذه النسخة فتبدو قادرة على بلوغ مستوى أعلى.

لم يكن بإمكان (فيفا) أن يحلم بأفضل من هذا السيناريو لولا أن وجود هذه المنتخبات الأربعة معاً عزز أيضًا الشكوك المتداولة عبر الإنترنت بشأن بعض القرارات التحكيمية المثيرة للجدل.