يحتفل اللاعبون الأرجنتينيون بعد أن سجل جوليان ألفاريز (رقم 9) هدفًا ليمنح الأرجنتين التقدم 2-1 على سويسرا (لقطة شاشة من VTV). في الدقيقة 112 على ملعب كانساس سيتي صباح يوم 12 يوليو، استدار ألفاريز من خارج منطقة الجزاء وأطلق تسديدة مقوسة في الزاوية البعيدة للمرمى، ليمنح الأرجنتين التقدم 2-1 في الوقت الإضافي من مباراة ربع النهائي الأخيرة. وخسرت سويسرا، التي لعبت بعشرة لاعبين بعد تعادلها 1-1، أمام الأرجنتين حاملة اللقب بنتيجة 3-1.

لم تكن هناك مفاجآت، إذ أصبحت الأرجنتين آخر فريق يتأهل إلى نصف نهائي كأس العالم 2026 بالطريقة التي اعتادت عليها في بطولتين متتاليتين: ليس بالأمر السهل، لكنها لا تُقهر. هذا يُلخص تمامًا دور خروج المغلوب لهذا العام، حيث شقّ عمالقة كرة القدم طريقهم إلى خط النهاية، وإن كان ذلك بثمن باهظ من الجهد والتضحيات. معًا، قدّموا مباراة نصف نهائي كلاسيكية يُمكن القول إنها من بين أفضل مباريات نصف النهائي في تاريخ كأس العالم.

جميع المنتخبات الأربعة المتأهلة لنصف النهائي هي منتخبات سبق لها الفوز بكأس العالم. فقد توّجت بثلاثة ألقاب من أصل أربعة في آخر 26 عامًا (منذ عام 2010). كما أنها تتصدر تصنيف الفيفا وتُعتبر من أبرز المرشحين قبل انطلاق كأس العالم.

والأهم من ذلك، أن نظام تصنيف المنتخبات في الفيفا ضمن عدم تلاقي المنتخبات الأربعة الأولى – إسبانيا والأرجنتين وفرنسا وإنجلترا – قبل الدور نصف النهائي. صُمم هذا النظام بحيث لا يتقابل المرشحون الحقيقيون للقب إلا في المراحل النهائية من البطولة. وقد كان الفيفا محقًا.

لكن “انعدام المفاجآت” لا يعني “انعدام المشاعر”. بين الفرق الأربعة، كانت فرنسا الوحيدة التي حظيت بأمسية هادئة نسبيًا بفوزها على المغرب 2-0. أما الفرق الثلاثة الأخرى فقد اضطرت جميعها لخوض “مباراة مصيرية” بطرق مختلفة، مما يجعل ربع النهائي هذا العام اختبارًا حقيقيًا للعزيمة وليس نزهة سهلة للمرشحين للقب.

لم تنجُ إسبانيا من الهزيمة أمام بلجيكا إلا بفضل حظّ اللاعب البديل “الخارق” ميرينو. واضطرت إنجلترا للانتظار حتى الوقت الإضافي لتفوز على النرويج 2-1 بفضل لحظات تألق من جود بيلينغهام. أما الأرجنتين فقد كانت كل مباراة من مبارياتها الإقصائية أشبه بفيلم مثير مليء بالتشويق والإثارة. عذّب ميسي وزملاؤه قلوب المشجعين وأشعلوا المشاعر في جميع أنحاء أمريكا الشمالية بثلاثة انتصارات دراماتيكية.

هذا هو سر جاذبية كأس العالم الدائمة: ليس معجزات الفرق الأقل حظاً بل صمود الفرق القوية عندما تُحاصر. لا يُقاس الفريق العظيم بمدى سهولة فوزه بل بمدى إصراره على عدم الاستسلام عندما لا تسير الأمور كما يشتهي.

وعندما يلتقيان في نصف النهائي سيكون ذلك سيناريو “مذهلاً” حتى هوليوود ستحسده عليه. لأن حقبة كاملة من تاريخ كرة القدم تتلخص في هاتين المباراتين.

ستواجه إنجلترا، الساعية للفوز بلقب كبير منذ عام 1966، الأرجنتين، وربما يكون هذا آخر خصم ترغب فيه مواجهة في كأس العالم 2026. كيف يُمكن لأرض الضباب أن تنسى الذكرى الأليمة التي حدثت قبل 40 عامًا أيضًا في أمريكا الشمالية عندما سجّل دييغو مارادونا “يد الله” و”هدف القرن” ليقصي إنجلترا من ربع النهائي؟ منذ ذلك الحين كُتبت فصول جديدة في هذه المنافسة العريقة بدءًا من لقاء عام 1998 الذي شهد طرد ديفيد بيكهام وصولًا إلى اليوم الذي يواجه فيه جود بيلينغهام ليونيل ميسي في مرحلة انتقالية بين حقبتين.

لكن المواجهة بين فرنسا وإسبانيا تحمل طابعًا فريدًا؛ فهي تمثل صراع القوى في كرة القدم الأوروبية على مدى الثلاثين عامًا الماضية. فقد دشّنت إسبانيا عصر التيكي تاكا بفوزها بكأس العالم 2010 بينما تُعدّ فرنسا رمزًا للجيل الحديث من كرة القدم بفوزها بلقب 2018 وحصولها على المركز الثاني في 2022. وقد التقى الفريقان مرات عديدة في بطولات أمم أوروبا ودوري الأمم الأوروبية وفي كل مرة عكست هذه المواجهة التحوّل في كرة القدم الأوروبية بين فلسفات اللعب التي تركز على السيطرة واللعب الهجومي السريع. ولا تُعدّ هذه المواجهة مجرد صراع على مكان في النهائي بل هي أيضًا صدام بين مدرستين فكريتين هيمنتا على كرة القدم الأوروبية لأكثر من عقد.