Published On 21/7/2026.

|.

آخر تحديث: 06:27 (توقيت مكة).

لم يكن كأس العالم 2026، الذي استضافته الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مجرد بطولة رياضية انتهت بتتويج إسبانيا باللقب، بل تحول إلى مناسبة كشفت عن وجه آخر لأمريكا التي نظمت أكبر حدث كروي في العالم بنجاح جماهيري لافت. إلا أن البطولة أظهرت أيضًا حجم التداخل بين الرياضة والسياسة، بالإضافة إلى قضايا الهوية والهجرة والاستقطاب.

تشير مقالات وتحليلات نشرتها صحف ومواقع أمريكية وبريطانية إلى أن المونديال نجح في ترسيخ مكانة كرة القدم داخل المجتمع الأمريكي، ولكنه أثار أيضًا نقاشًا واسعًا حول “أمركة” البطولة، ودور الرئيس دونالد ترمب، وصورة الولايات المتحدة أمام العالم.

يرى الكاتب جوسلين جوزيف في مقال بموقع ذا هيل أن البطولة قدمت نموذجًا عمليًا للتوازن بين الاندماج والتعددية الثقافية في وقت يتصاعد فيه الجدل السياسي على خلفية سياسات ترمب المتعلقة بالهجرة. ويؤكد الكاتب أن المونديال أثبت قدرة أمريكا على استيعاب الهويات المختلفة دون أن تفقد هويتها الوطنية. فالمهاجرون يتعلمون اللغة ويشاركون في الحياة العامة، بينما يضيفون ثقافاتهم وموسيقاهم وعاداتهم للمجتمع.

تجربة مختلفة

وفي السياق نفسه، ترى وول ستريت جورنال أن الولايات المتحدة ستفتقد أجواء كأس العالم بعد انتهاء البطولة، بعدما نجحت المنافسات في تحويل كرة القدم إلى حديث الشارع الأمريكي طوال أكثر من شهر. يشير المقال إلى أن البطولة جعلت الأمريكيين يعيشون تجربة جماهيرية فريدة، حيث امتلأت الملاعب وازدحمت الحانات بالمشجعين، وتعرف جمهور جديد على نجوم اللعبة وثقافة التشجيع العالمية، حتى بدا وكأن الولايات المتحدة أصبحت “بلدًا لكرة القدم” ولو مؤقتا.

لكن الصحيفة تؤكد أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إسدال الستار عن البطولة، إذ يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا الشغف سيستمر أم أنه سيظل مرتبطًا فقط بالمونديال قبل عودة الجمهور لمتابعة الرياضات الأمريكية التقليدية.

أما نيوزويك فتشير إلى أن البطولة لم تجعل الأمريكيين أكثر عشقًا لكرة القدم بقدر ما جعلت كرة القدم نفسها أكثر “أمريكية”. وتوضح المجلة أن الفيفا أدخل لأول مرة عرضًا فنيًا بين شوطي المباراة النهائية مستلهمًا تجربة “السوبر بول” واعتمد استراحات ثابتة لشرب المياه سمحت ببث الإعلانات التلفزيونية، في خطوة اعتبرها كثيرون استجابة لطبيعة السوق الأمريكية.

هيمنة رئيسين

لم يقتصر الجدل على الجوانب التنظيمية بل امتد أيضًا إلى السياسة. خصص الكاتب جون سوبل مساحة واسعة للحديث عن العلاقة الوثيقة بين رئيس الفيفا جياني إنفانتينو والرئيس الأمريكي ترمب. ويعتبر سوبل أن البطولة كانت ستظل معرضة لخطر هيمنة الشخصيتين عليها لولا أن الإثارة الكروية نجحت في النهاية في خطف الأضواء. لكنه يصف تدخل ترمب في قضية إلغاء إيقاف المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون بأنه من أكثر الوقائع إثارة للجدل لأنها مست مبدأ تكافؤ الفرص واحترام قوانين اللعبة.

كما ينتقد الكاتب ما عدّه توظيفًا سياسيًا للمونديال سواء عبر الظهور المتكرر لترمب خلال البطولة أو من خلال العلاقة الخاصة التي ربطته بإنفانتينو، وهو ما دفع جماهير عدة لإطلاق صيحات استهجان ضد رئيس الفيفا في الملاعب.

ورغم هذه الانتقادات، يخلص سوبل إلى أن كرة القدم انتصرت في النهاية على الجدل السياسي وأن البطولة ستبقى في الذاكرة بسبب مستوياتها الفنية وبروز منتخبات مثل المغرب ومصر والرأس الأخضر وتألق نجوم كبار مثل ليونيل ميسي ولامين جمال وإيرلينغ هالاند وجود بيلينغهام.

انقسام أمريكي

تكشف هذه القراءات مجتمعة أن مونديال عام 2026 لم يكن مجرد منافسة رياضية بل نافذة لفهم الولايات المتحدة المعاصرة؛ بلد يحتفي بالتنوع الثقافي ويستثمر الرياضة في صناعة الترفيه لكنه يظل منقسمًا حول قضايا الهوية ودور السياسة في الفضاء العام.

بين نجاح التنظيم واتساع شعبية كرة القدم والجدل حول “أمركة” البطولة وتداخل الرياضة مع السياسة يبدو أن الإرث الحقيقي لمونديال عام 2026 لن يقاس فقط بما حدث داخل المستطيل الأخضر بل أيضًا بالنقاش الذي أثاره حول صورة أمريكا وقدرتها على الجمع بين التنوع والوحدة خلال واحدة من أكثر مراحلها السياسية استقطابا.

المصدر: الصحافة الأميركية + الصحافة البريطانية.