كما تقول المقولة الشهيرة في كرة القدم: “الهجوم يجلب لك الفوز بالمباريات، أما الدفاع فيجلب لك البطولات”.. ستخضع هذه الحكمة لاختبار حقيقي مساء الثلاثاء، عندما يلتقي منتخبا فرنسا وإسبانيا في نصف النهائي الأول لبطولة كأس العالم 2026.

وصل المنتخبان إلى المربع الذهبي عبر طريقين مختلفين نسبيًا، إذ بنت إسبانيا نجاحها على صلابة دفاعية لافتة، بينما اعتمدت فرنسا على القوة الهجومية الكبيرة التي تضم نخبة من أبرز نجوم العالم.

وقبل المواجهة المرتقبة التي ستقام على ملعب دالاس، تبدو الأنظار متجهة نحو صدام كروي مثير، حيث تواجه قوة هجومية لا تُقاوم دفاعًا يبدو عصيًا على الاختراق.

سور الصين العظيم… بنكهة إسبانية

لم يكن الدفاع يومًا السمة الأولى التي تتبادر إلى أذهان جماهير كرة القدم عند الحديث عن المنتخب الإسباني، لكن كتيبة المدرب لويس دي لا فوينتي نجحت في إضافة هذا السلاح إلى هويتها، بل وجعلته أحد أبرز أسباب نجاحها مؤخرًا.

ورغم حفاظ إسبانيا على أسلوبها المعتاد القائم على الاستحواذ وتبادل التمريرات، حيث بلغ متوسط تمريراتها 598 تمريرة في المباراة الواحدة خلال كأس العالم 2026 (ثاني أعلى معدل بعد الأرجنتين)، كما استحوذت على الكرة بنسبة 66% في المتوسط، وهي الأعلى بين جميع المنتخبات. إلا أنها تميزت أيضًا بصلابة دفاعية استثنائية حدّت من فرص المنافسين إلى أدنى مستوى.

فبعد خوض ست مباريات، لم يسمح المنتخب الإسباني سوى بـ7 تسديدات فقط على المرمى، بمعدل 1.17 تسديدة على المرمى في المباراة، وهو أفضل معدل دفاعي يُسجل لأي منتخب في تاريخ كأس العالم منذ بدء توثيق هذه الإحصائية عام 1966.

ولم يقتصر تميز إسبانيا على تقليل عدد التسديدات التي تصل إلى مرماها، بل برعت أيضًا في الحد من جودة الفرص التي يصنعها المنافسون، وهو ما تعكسه أرقام الأهداف المتوقعة (xG).

فقد استقبل المنتخب الإسباني 0.31 هدفًا متوقعًا فقط في المباراة الواحدة خلال كأس العالم 2026، وهو رقم لم يسبقه إليه منذ عام 1966 سوى منتخب أوروجواي في مونديال 1990 بالمعدل نفسه. كما بلغ متوسط قيمة الأهداف المتوقعة لكل تسديدة استقبلها المنتخب الإسباني 0.05 فقط، وهو أقل معدل بين جميع منتخبات مونديال 2026 ومعادل لأفضل رقم في تاريخ البطولة منذ بدء تسجيل هذه الإحصائية.

ورغم أن المنظومة الدفاعية تعتمد على العمل الجماعي، فإن عددًا من اللاعبين برزوا بشكل لافت في أداء الأدوار الدفاعية.

ويتقدمهم المدافع إيمريك لابورت الذي قاد الخط الخلفي بثبات بعد أن سجل 11 اعتراضًا للكرة، ولا يتفوق عليه في البطولة سوى الفرنسي دايوت أوباميكانو بـ12 اعتراضًا.

كما قدم الحارس أوناي سيمون مستويات مميزة في التعامل مع الكرات خلف خط الدفاع الذي يتقدم عادة إلى منتصف الملعب مع اعتماد إسبانيا على الضغط العالي. حاول سيمون الخروج لقطع الكرات خلف الدفاع 6 مرات ولا يتفوق عليه في هذا الجانب سوى ثلاثة حراس مرمى فقط.

أما قائد المنتخب رودري فقد واصل التألق منذ عودته من إصابة الرباط الصليبي الأمامي إذ نفذ 18 تدخلًا ناجحًا ولا يتفوق عليه سوى ثلاثة لاعبين في البطولة. كما استعاد الاستحواذ على الكرة 32 مرة وهو رقم لا يفوقه فيه سوى أربعة لاعبين فقط.

ترسانة فرنسا الهجومية

على الورق بدا الخط الأمامي لمنتخب فرنسا قبل انطلاق كأس العالم 2026 أشبه بـ”ترسانة هجومية” يصعب إيقافها. لكن كرة القدم كثيرًا ما تثبت أن الأسماء الكبيرة لا تضمن النجاح دائمًا.

إلا أن الأمر سار هذه المرة كما كان متوقعًا بل ربما بصورة أفضل. فقد قدم هجوم الديوك مستويات استثنائية وترجم وفرة النجوم إلى أرقام مميزة بعدما سجل المنتخب الفرنسي 16 هدفًا في ست مباريات فقط ليؤكد امتلاكه أحد أقوى الخطوط الهجومية في البطولة.

وتعكس الأرقام الهجومية لفرنسا مدى التفوق الذي فرضه المنتخب النسخة الحالية من كأس العالم إذ وصلت إلى مستويات استثنائية. فقد سدد منتخب فرنسا 47 كرة بين القائمين والعارضة خلال مونديال 2026 وهو أعلى رقم يحققه في نسخة واحدة من كأس العالم منذ نسخة 1998 عندما سجل 53 تسديدة على المرمى في طريقه للتتويج باللقب. كما يبلغ متوسطه 7.8 تسديدة على المرمى في المباراة الواحدة وهو الأعلى لأي منتخب في تاريخ البطولة منذ عام 1966.

ولا يقتصر التفوق على عدد الفرص بل يمتد إلى جودتها أيضًا إذ يتصدر منتخب المدرب ديدييه ديشامب جميع المنتخبات بمعدل الأهداف المتوقعة (xG) بإجمالي 14.3 هدفًا متوقعًا متفوقًا بفارق لا يقل عن 1.6 على أقرب ملاحقيه منتخب الأرجنتين.

ولا تبدو هذه الأرقام مفاجئة نظرًا للجودة الهائلة التي يزخر بها الخط الأمامي الفرنسي. يقود الهجوم النجم كيليان مبابي الذي يواصل تقديم بطولة استثنائية بعدما سجل 8 أهداف لينافس ليونيل ميسي على جائزة هداف كأس العالم 2026. ولم يقتصر تأثير قائد فرنسا على التسجيل فقط بل صنع أيضًا 16 فرصة وهو رقم لا يتفوق عليه سوى ثلاثة لاعبين في البطولة إلى جانب تقديمه ثلاث تمريرات حاسمة.

وشكل مبابي ثنائيًا هجوميًا مرعبًا مع حامل الكرة الذهبية الحالي عثمان ديمبيلي إذ صنع اللاعبان معاً19 فرصة لبعضهما البعض خلال البطولة (10 تمريرات من مبابي إلى ديمبيلي و9 بالعكس). ولم يسبق منذ عام 1966 سوى ثلاثة ثنائيات أن صنعت أكثر من عشرين فرصة متبادلة في نسخة واحدة من كأس العالم.

أما ديمبيلي فقد تألق هو الآخر على المستوى الفردي بعدما سجل خمسة أهداف وقدم تمريرتين حاسمتين خلال ست مباريات.

إلى جانب مبابي وديمبيلي برز جناح بايرن ميونخ مايكل أوليس كأحد أهم مفاتيح اللعب للمنتخب الفرنسي بفضل قدرته الفائقة على صناعة تمريرات حاسمة تبدو أحياناً مستحيلة التنفيذ.

ويتصدر أوليس قائمة أكثر اللاعبين صناعةً للأهداف بالبطولة بخمس تمريرات حاسمة ليصبح أول لاعب يصل إلى هذا الرقم بنسخة واحدة من كأس العالم منذ الألماني توماس هاسلر عام1994 كما بات قريباً جداً من معادلة الرقم القياسي الذي يحمله الأسطورة بيليه كأكثر لاعب صناعةً للأهداف بنسخة واحدة من كأس العالم للرجال (منذ عام1966).

وما يزيد من خطورة المنتخب الفرنسي أن المدرب ديدييه ديشامب لم يضطر حتى الآن لاستغلال كامل ترسانته الهجومية. فقد لعب كل من برادلي باركولا وديزيري دوي دوراً مسانداً خلال أغلب المباريات لكنهما ساهما معاً بخمسة أهداف إذ سجل باركولا هدفين وصنع آخر بينما أحرز دوي هدفاً وقدم تمريرة حاسمة. وفي المقابل لم يحصل ريان شرقي سوى على خمسين دقيقة من المشاركة طوال البطولة بينما لم تتجاوز إجمالي الدقائق التي لعبها ماجنيس أكليوش وماركوس تورام معاً عشرة دقائق مما يعكس عمق الخيارات الهجومية التي يمتلكها المنتخب الفرنسي.

كل ذلك يمهد لمواجهة نارية مساء الثلاثاء بدالاس حيث يصطدم أقوى هجوم بالبطولة بأحد أصلب الخطوط الدفاعية بمباراة قد تحسمها تفاصيل صغيرة بين القوة الهجومية الفرنسية والانضباط الدفاعي الإسباني.