تبدأ الدقيقة الأولى من فيلم Lucky Number Slevin، الذي يدور حول فكرة المراهنات، بمشهد غامض داخل محطة حافلات، حيث يشرح رجل مجهول لشاب قصة عن ما يُسمى Kansas City Shuffle (خدعة كانساس سيتي)، وهي أن تجعل الجميع ينظر في اتجاه بينما الحقيقة تحدث في اتجاه آخر. وربما ينعكس ذلك إلى حد كبير في مباريات المونديال الدائرة الآن؛ فبينما ينشغل العالم بما يحدث داخل الملعب، تدور مباراة أخرى أكبر خارجه، أطرافها لاعبون آخرون كالشركات المراهنات والرعاة والإعلانات وأسعار التذاكر وغير ذلك. قد يتدخل كل ذلك بدرجة ما في سير الأمور، وهي الاتهامات التي طالت الفيفا أكثر من مرة، وظهرت بقوة بعد مباراة مصر والأرجنتين في دور الـ16، والتي شهدت اعتراضات مصرية وغير مصرية على الأداء التحكيمي.
وبعيداً عن صحة وجود تلاعب بأي مباراة أم لا، فمن المؤكد أن “أعظم حدث شهدته البشرية على الإطلاق” -بوصف جياني إنفانتينو (رئيس الفيفا)- يريده أيضاً “الأكثر ربحية في التاريخ”، وهو ما تحققه ثلاثية “التذاكر، المراهنات، الشركات الراعية والإعلانات”. فكيف يمضي ذلك؟
تذاكر المباريات
في الدقيقة الثمانين القاتلة من مباراة مصر والأرجنتين، وعندما كان المنتخب المصري متقدماً بهدفين مقابل لا شيء، انقلبت الأمور على عدة نواحٍ. أولها كانت أسعار تذاكر مباريات ربع النهائي التي هبطت أقل فئة منها نحو ألف دولار. ومع تغير مجريات المباراة لصالح الأرجنتين، عاد السعر القديم مرة أخرى لينقذ بقاء “ميسي” الفيفا من خسائر محتملة.
ومن البداية، كانت تلك النسخة هي الأعلى في سعر التذاكر ما عرضها للكثير من الانتقادات؛ فاستراتيجية التسعير اعتمدت على “التسعير الديناميكي” لأول مرة في كأس العالم حيث تختلف الرسوم حسب الطلب والتوقيت. وتراوحت الأسعار منذ مباريات دور الـ32 وحتى النهائي من 1000 دولار لأكثر من 10 آلاف دولار حسب الفئة، أي ما يقارب سبعة أضعاف سعر أغلى تذكرة لنهائي كأس العالم 2022 في قطر.
ورغم الشكاوى الواسعة، يبدو أن الطلب لا يزال كبيراً لكن من دول معينة بينها الأرجنتين وليس مصر بحسب الإحصائيات التي أعلنتها الفيفا.
المراهنات
في الواقع، لم تنعكس مفاجأة تقدم مصر على حامل اللقب حتى الدقيقة الثمانين على أسعار التذاكر وحدها بل امتدت دقيقة تلو الأخرى إلى أسواق المراهنات الرياضية الحامية. ولعل أبرز تلك الأسواق منصة Kalshi، عملاق سوق التنبؤات التي عززت حضورها في كأس العالم بحيث يمكن أن يرى اسمها الجمهور واللاعبون إن أداروا رؤوسهم في جنبات الملعب أو على الشاشات الضخمة بعد أن أصبحت شريكاً رسمياً مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بفضل اتفاقية العلامة التجارية مع شريكها الحالي في سوق التنبؤات ADI Predictstreet، وهي منصة غير معروفة على نطاق واسع ومقرها أبوظبي وبدأت أعمالها رسمياً قبيل انطلاق كأس العالم هذا العام.
وبالفعل حققت “كالشي” -التي يعتبر دونالد ترامب الابن شريكاً استراتيجياً بها- ما أرادته إذ جمعت ما يقارب 10 مليارات دولار من المراهنات على كأس العالم خلال الأسبوعين الأولين فقط من البطولة. وكان لمباراة الأرجنتين ومصر نشاطاً ملحوظاً عليها حيث بلغ إجمالي حجم التداول المالي نحو 247.9 مليون دولار.
وبرهانات تبدأ عادة من دولار واحد، حظيت الأرجنتين بالتوقعات الأكبر للفوز حتى قبل 38 دقيقة من نهاية المباراة قبل أن تنقلب الموازين قليلاً وتذهب التنبؤات لصالح فوز مصر لدقائق ثم يعود الأمر كما كان.
وبشكل عام عزز الاتحاد الدولي لكرة القدم علاقاته التجارية مع صناعة المراهنات خلال هذه النسخة من المونديال أكثر من أي وقت مضى. فقبل أشهر أعلن اختيار الشركة الرائدة في الذكاء الاصطناعي والبيانات الرياضية Stats Perform كأول موزع رسمي لبيانات FIFA على مشغلي المراهنات المرخصين حول العالم.
وهذه الصفقة الممتدة لأربع سنوات ستمنح الشركة حقاً حصرياً لتوزيع البث المباشر لبطولات FIFA ومنها كأس العالم بصورة رسمية على منصات المراهنات الرياضية المرخصة. ولم تعلن “فيفا” عن قيمة هذه الصفقة لكن أوضحت على لسان رومي جاي مدير الأعمال بها: “أن هذه الشراكة لا تقتصر على توليد الإيرادات التجارية بل تسهم أيضاً في توحيد توزيع بيانات المراهنات وتوفر فرصاً كثيرة لتقديم منتجات تصب في مصلحة اللعبة والمشجعين”.
الشركات الراعية والإعلانات
ولم تكن تلك الشركة الوحيدة الداعمة لنجوم الأرجنتين وعلى رأسهم “ميسي”؛ فهو الوجه الإعلاني الأبرز والدائم لشركة Aidas(أديداس) الراعي الرسمي للبطولة حتى أن لديها خط إنتاج باسمه وهي ضمن عدة صفقات أجراها الاتحاد الدولي لكرة القدم مع شركات راعية مثل أرامكو وكوكاكولا وفيزا بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الرعايات الإقليمية والمحلية.
وكما يقول ريكاردو فورت (مستشار الرعاية الذي تفاوض على صفقات تجارية مع الفيفا نيابة عن فيزا وكوكاكولا): “إذا تجاهلت الضجيج والسياسة فإن العمل الذي يقوم به الفريق التجاري للفيفا مثير للإعجاب للغاية”. ومن ناحية أخرى فطالما مثلت بطولة كأس العالم أيضًا -بالنسبة للعلامات التجارية وحاملي الحقوق والوكالات- المنصة التجارية الأقوى في عالم الرياضة. وفي نسخة 2026 تتضاعف هذه الفرصة من حيث الحجم والتعقيد كما ترى EMW Global وهي وكالة عالمية للتسويق الرياضي والاستشارات التجارية والتي ذكرت في تقريرها الأخير: “أن ميسي ثاني أقوى علامة تجارية في العالم بعد كريستيانو رونالدو”.
ولقد خرج “رونالدو” وأيضًا “نيمار” وأصبح ميسي آخر نجم متبقٍ بهذا الثقل التجاري ومن بعده الإسباني لامين يامال.
ويسعى الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال السنوات القليلة الماضية إلى تحسين إيراداته؛ حيث ذكر في تقريره أنه سيجني 13 مليار دولار من الدورة التي تمتد لأربع سنوات وتتوج ببطولة هذا الصيف وسيتم جلب ما يقرب من 9 مليارات دولار منها هذا العام. ويبدو أن قراره بإقامة البطولة في الولايات المتحدة ساعد في تحقيق الهدف ورفع الأرباح المتوقعة.
وبناءً على توقعاته فإن عائدات الفيفا ستزداد بنسبة 73% بحلول نهاية الصيف وذلك بعد زيادة الإيرادات بنسبة 18% بين كأس العالم 2018 في روسيا ونسخة قطر وهي دورة حققت 7.5 مليار دولار.

