قبل ثلاث سنوات من انطلاق كأس العالم لعام 2026، أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية فيلمًا ضخم الإنتاج يتناول سيرة عالم الفيزياء الشهير “أوبنهايمر”، المعروف بشعبيته كأب القنبلة النووية وصانعها ضمن مشروع مانهاتن. الفيلم يستعرض كيف انتهى المطاف بإلقاء القنبلة الذرية الأولى على رؤوس ملايين اليابانيين في مدينتي هيروشيما وناغازاكي، في حادث بدا وكأن أبواب الجحيم قد انفتحت لتغلق صفحة الماضي البعيد، إيذانًا ببداية عصر أمريكي جديد.
رسالة الولايات المتحدة من الفيلم، كما فهمها معظم المشاهدين الذين أسرتهم جمال الصورة وروعة إخراج كريستوفر نولان وقوة حبكته الدرامية، كانت أن الولايات المتحدة لم تعد تملك مقدرات العالم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا فحسب، بل تحتكر أيضًا حق سرد الأحداث التاريخية لمن لم يعاصروها.
قبعات الكاوبوي المقدمة للبعثة.
عندما هبط الفريق الياباني في المكسيك للمشاركة في بطولة كأس العالم التي تنظمها الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد مر على الحادث الشنيع ثلاثة أجيال على الأقل. لم يكن أغلب اللاعبين يشبهون الجيل المنكوب الذي عانت أطرافه من آثار القنبلة، وشوهت ملامحه. كان معظمهم يسير إلى الأمام مع الحادث خلفهم، لكن مشهدًا غريبًا صادف لحظة وصولهم.
استقبلهم المستقبلون حاملين قبعات الكاوبوي الأمريكية، وما إن رأوا اليابانيين حتى قدموا لكل منهم قبعة كهدية ترحيبية. بعض اللاعبين أخذوها باندهاش، وآخرون بحياد، بينما سحب فريق ثالث القبعة بلا مبالاة. ومع ذلك، لم يكن الغالبية مرتاحين لا للمُهدي ولا للهدية! كأن شيئًا عميقًا من رواسب الماضي قد تسرب إلى لحظة الحاضر.
على أي حال، خاض المنتخب الياباني أولى مباراتيه مع هولندا بصورة قتالية – كما يليق بماضيه – وانتهت بالتعادل الإيجابي 2-2. ثم واجه منتخب تونس الذي سحقه بهزيمة مروعة بأربعة أهداف مقابل لا شيء، ليعادل بعدها مع السويد ويخسر أخيرًا أمام البرازيل بهدفين مقابل هدف. كانت تلك الهزيمة لائقة بمحارب ساموراي خرج من أرض النزال مهزومًا بشرف.
لم يفت المشجعون اليابانيون أن يقدموا أنفسهم للعالم كما ينبغي؛ ففي ملعب دالاس بولاية تكساس شهدت المدرجات الجماهير اليابانية وهي تجمع النفايات بعد انتهاء المباريات. أثار هذا التصرف إعجاب المغردين حول العالم الذين وصفوه بـ”الانضباط الجماعي” الذي يظهره المشجعون اليابانيون في مختلف المحافل الرياضية. وأكدوا أن هذا السلوك أصبح جزءًا من الهوية التي تميز الجماهير اليابانية أينما حلت.
على الجانب الآخر، كانت الأنظار تتجه نحو المنتخب الإيراني وسط الحرب المشتعلة في المنطقة بسبب الاعتداء الأمريكي الإسرائيلي على طهران. وقع ذلك مباشرة بعد اغتيال المرشد العام الإيراني وعدد من قيادات الحرس الثوري واستهداف عدة قواعد عسكرية ومقرات للطاقة النووية ومحطات كهرباء وغاز وبترول. ردت ولاية الفقيه بشن هجوم شامل استهدف القواعد الأمريكية في المنطقة مخترقةً عمق الحصن الإسرائيلي المؤمن بأحدث الوسائل التكنولوجية.
من حسن حظ المنتخب الإيراني أن موعد بطولة كأس العالم تزامن مع وقفٍ مؤقت لإطلاق النار بين أمريكا وإيران وتدخل عدد من الأطراف الدولية لعقد صلحٍ مبدئي بين طهران وواشنطن. خلال هذه الفترة بدت علامات التحفز والقلق واضحة أثناء استعدادات استقبال المنتخب الإيراني في الولايات المتحدة الأمريكية.
ظهرت ملامح القلق تلك على سلوك الولايات المتحدة قبل وصول المنتخب إلى أراضيها حيث أعلن الاتحاد الإيراني لكرة القدم يوم السبت 6 يونيو أن الحكومة الأمريكية اتخذت قرارات برفض منح تأشيرات دخول لـ15 عضوًا من الإدارة والجهاز الفني إلى الأراضي الأمريكية.
وصف الاتحاد الإيراني رفض التأشيرات بأنه “أوضح تدخل سياسي في الرياضة” بهدف توسيع العداء لإيران ليشمل المجال الرياضي وحرمان المنتخب من المشاركة العادلة. أعلن الاتحاد عزمه على تقديم شكوى رسمية إلى الفيفا ليرد عليه توم باراك سفير الولايات المتحدة لدى تركيا مشيدًا بدور السفارة الأمريكية في أنقرة في معالجة “تأشيرات المنتخب الإيراني لكرة القدم” وأن الطاقم الفني الإيراني كان في طريقه إلى كأس العالم لكرة القدم.
الأجواء العدائية التي عاشها المنتخب الإيراني على أراضي الولايات المتحدة بالإضافة إلى الهجوم على بلاده وعرقلة دخوله جعلت لاعبيه يخوضون مبارياتهم كما لو أنهم يقاتلون من أجل الحياة أو الموت.
خاض المنتخب الإيراني ثلاث مباريات خلال بطولة كأس العالم 2026 ولم ينهزم في أي منها لكنه ودع البطولة رسميًا في الدور الأول بعد أن قاتل بشكل لا يعرف الخسارة ليخرج بشكل يليق بتاريخ بلاده وحاضرها.

