مع استمرار منافسات كأس العالم، تتجه الأنظار في الولايات المتحدة إلى ما هو أبعد من نتائج المباريات، إذ يراهن خبراء الرياضة والتسويق على قدرة البطولة في استقطاب جيل جديد من الأطفال والمراهقين إلى كرة القدم، وتعزيز شعبيتها في بلد لا تزال تهيمن فيه رياضات مثل كرة القدم الأمريكية وكرة السلة والبيسبول.

ويأتي هذا الرهان في وقت تشهد فيه ملاعب التدريب والفعاليات المجتمعية المخصصة للأطفال إقبالًا متزايدًا، بالتزامن مع استضافة الولايات المتحدة جانبًا من مباريات البطولة.

في إحدى مكتبات ضواحي مدينة كانساس سيتي، شارك عشرات الأطفال الصغار في فعالية مستوحاة من أجواء كأس العالم، تضمنت ألعابًا وأنشطة كروية بسيطة، في محاولة لتعريفهم باللعبة منذ سنواتهم الأولى.

وتقول كيرا كورنيل، والدة الطفل جود البالغ 17 شهرًا، إنها تخطط لإلحاق ابنها ببرامج كرة القدم المخصصة للأطفال بمجرد بلوغه السن المناسبة، مشيرة إلى أن البطولة عززت اهتمام العائلات باللعبة.

ورغم أن كرة القدم لا تزال تأتي خلف الرياضات الأمريكية التقليدية من حيث الشعبية العامة، فإنها تعد بالفعل من أكثر الألعاب ممارسة بين الأطفال.

ووفقًا لمعهد آسبن، مارس نحو 7.5% من الأطفال الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عامًا كرة القدم خلال عام 2024، لتحتل المرتبة الثالثة بعد البيسبول وكرة السلة.

ويرى متخصصون أن مشاركة الأطفال في اللعبة تمثل العامل الأهم في تحويلهم لاحقًا إلى مشجعين دائمين.

الرياضة تنتقل بين الأجيال

تجسد اللاعبة هايلي غاربوسكي، البالغة من العمر 18 عامًا، هذا التحول بعدما قادها شغفها بكرة القدم إلى الفوز ببطولة المدارس الثانوية في ولاية ميزوري، قبل أن تبدأ دراسة إدارة الأعمال مع اهتمام بمجال التسويق الرياضي.

وتقول إن والدتها أصبحت من مشجعي كرة القدم بفضل متابعتها لمسيرتها الرياضية، رغم أنها لم تكن مهتمة باللعبة في السابق.

ويصف مايكل لويس، أستاذ تحليلات وتسويق الرياضة في جامعة إيموري، كرة القدم بأنها “رياضة تبني جمهورها عبر الأجيال”، مشيرًا إلى أن انتشارها يحتاج إلى وقت حتى ينعكس على نسب المشاهدة والجماهيرية.

الشباب يقودون نمو الشعبية

ورغم أن واحدًا فقط من كل عشرة أمريكيين يعتبر نفسه من مشجعي كرة القدم وفق بيانات شركة “إيبسوس”، فإن الباحثين يرون فرصًا كبيرة لدى الأجيال الأصغر سنًا وخاصة جيل الألفية وجيل “زد”.

ويعود انتشار اللعبة في الولايات المتحدة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مع استقدام نجوم عالميين مثل الأسطورة البرازيلية بيليه ثم استضافة كأس العالم عام 1994 قبل انطلاق الدوري الأمريكي لكرة القدم بعد ذلك بعامين.

كما أسهم اتساع مشاركة الفتيات في اللعبة بدعم من التشريعات التعليمية في زيادة قاعدة الممارسين وتوفير استدامة مالية لدوريات الناشئين.

كرة القدم النسائية تدعم الانتشار

ويؤكد نيكولاس واتانابي، أستاذ جامعة ساوث كارولينا والمتخصص في مستقبل كرة القدم أن النجاح المستمر لكرة القدم النسائية لعب دورًا مهمًا في توسيع قاعدة الجماهير.

وأوضح أن الفتيات اللاتي يمارسن اللعبة في سن مبكرة يصبحن غالبًا من مشجعاتها في المستقبل وهو ما انعكس إيجابًا على نمو اللعبة بصورة عامة بما في ذلك كرة القدم للرجال.

ويرى خبراء أن الأثر الحقيقي لكأس العالم لن يقاس فقط بعدد الحضور في الملاعب أو نسب المشاهدة التلفزيونية وإنما بقدرته على إلهام الأطفال لدخول الملاعب والانضمام إلى الأكاديميات الرياضية.

وفي إحدى الفعاليات المجتمعية كان بعض الأطفال يحاولون ترديد اسم النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي أثناء اللعب في مشهد يعكس التأثير الذي يمكن أن تتركه البطولة في الجيل الجديد والذي قد يصبح بعد سنوات قاعدة جماهيرية أوسع لكرة القدم داخل الولايات المتحدة.