إعداد وتحرير: صباح جلّول.

“مسّنا الحلمُ مرّة”.. هكذا عبّر الناس همساً وجهراً بعد مباراة الثلاثاء بين منتخبي مصر والأرجنتين. أصبح “الحلم” و”الأمل” و”المثابرة” الكلمات المفتاحية لمباراة لم تفز فيها مصر، لكنها ربحَت قلوب جماهيرها وافتخارهم. خرج المنتخب المصري (أو أُخرج) يوم الثلاثاء الماضي من دور الـ 16 في كأس العالم لكرة القدم، بعد مباراته مع المنتخب الأرجنتيني، بينما تردد صدى مشاركته مدوياً. فمن الأداء المتماسك للمنتخب، ووصوله إلى مرحلة متقدمة من أدوار كأس العالم، إلى المواقف الشجاعة التي عبّرت عن دعم فلسطين وأهلها، قدّم المنتخب المصري نموذجاً رياضياً مشرِّفاً يتوق الناس في منطقتنا لرؤيته، فصاروا أبطالهم قولاً وعملاً.

اصطحبنا “منتخب الفراعنة” في رحلة حالمة، مررنا فيها بأطوار من البهجة والفخر والألم والدموع. وقد ظللت هذه الرحلة، فوق ساحات الحدث الأهمّ في العالم وتحت أنظار مئات الملايين في كل مكان، علمُ فلسطين إلى جانب العلم المصري، وبالمكانة والمرتبة نفسها. وبعد كل من الفوز والخسارة، كان اسم فلسطين وذِكرُها حاضراً بشكل بارز جعل منها هي الحدث.

مَن يسمع أحاديث الناس في الشوارع والمقاهي والبيوت في مدننا وبلداتنا على امتداد المنطقة، وأمام الشاشات العملاقة والصغيرة على السواء، ومَن يصغِ لهتافهم عند تسجيل الهدف المصري وغضبهم الفائر بعد النتيجة التي أجحفت بحقهم، يفهم أن كل رجلٍ وامرأة يرى في هؤلاء الشباب في المنتخب ولداً من أولاده. وأن كل طفل فرح عند فوزهم وجرت دموعه حارة عند خسارتهم يرى فيهم إخوته وأبطال أحلامه. لا يهمّ إن كان هذا الرجل أو تلك المرأة أو ذاك الطفل فلسطينياً أو لبنانياً أو جزائرياً أو غير ذلك؛ فالآن الكل مصريون. وفي حين آخر، عندما تلعب المغرب، يكون الكل مغربيين. وحيث يحضر أبناؤهم يكونون بجوارحهم وعواطفهم مشجعين على امتداد هذه المنطقة التي تحب الفرح ولا تجده بسهولة.

انظروا إلى صور الناس في غزّة وقد طفوا على وجه الجرح لبرهة إلى فسحة من هواء الفرح. هل ثمّة أثمن من فرحتهم في هذا الزمن المر؟

جمهرة من الغزيين يشاهدون مباراة مصر-الأرجنتين وسط الخيم والركام، وفرحة بهدف مصر. (الصور: عبد الحكم أبو رياش – عن صفحة المصور على انستغرام).

ما أثار جنون إسرائيل..

أشعلت لفتةٌ من مدرب المنتخب المصري حسام حسن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بعد التقاطه علماً فلسطينياً من المدرجات والتلويح به أمام الجماهير بعد فوز مصر في مباراتها ضد أستراليا. وفيما احتفى الناس بتلك اللحظة، سارعت الصحافة الصهيونية إلى المطالبة بمحاسبة حسام حسن على رفع العلم، زاعمةً أن تصرفه يُعتبر “خرقاً لقوانين الفيفا” وهو كذب صريح؛ لأن فلسطين عضو في المنظمة ويجوز بالتالي رفع علمها. كما انتشرت تغريدات إسرائيلية تحثّ على تشجيع الأرجنتين ضد مصر لأسباب مشابهة وعبرت صحف إسرائيلية عن مفاجأتها من منظر الحشود في غزة التي تجمعت لتشجيع مصر.

تغيظ هذه “اللمة” إسرائيل بجنون وتصير معها لعبة كرة القدم مقياساً عاطفياً أخلاقياً كاشفاً؛ ومن هنا تأتي أهميتها التي تتعدى العصبية واللهو إلى مجالات السياسة والمجتمع. مرة بعد مرة تكشف انفعالاتنا أننا – كشعوب – ما زلنا نرى انتماءنا بشكل يتجاوز حدودنا الضيقة ليشمل كل مكان لنا فيه إخوة يشبهوننا بهمومهم وأحلامهم ونضالاتهم من مصر إلى المغرب (فازتا أم خسرتا).

ولعلّ فلسطين رمزنا الجامع الأكبر ومن هنا حضورها في كل هذه المباريات وفي المدرجات والملاعب والشوارع الأميركية كذلك. لهذا السبب يقفز أحدنا فرحاً عند تحقق هدف أو تنهمر دموع مَن لا يفقه شيئاً عن كرة القدم عند الخسارة؛ ذلك انتماء للناس أكثر مما هو انتماء للعبة بذاتها….

أما المدرب حسام حسن فلم يكتفِ برمزية العَلَم وتجاوزها إلى التصريح الواضح للصحافة مباشرةً من الاستاد مهدياً الفوز للفلسطينيين كما المصريين تماماً. واستفاض بالكلام خلال المؤتمر اللاحق مستغلاً منصة دولية مهمة تنقلها جميع الشاشات العالمية للحديث عن فلسطين وليس فقط عن تقنيات كرة القدم وتوقعات المباريات كما هو مُتوقع:.

“عار على العالم كله وليس الوطن العربي فقط؛ عار علينا جميعًا وعار على أصحاب القرار. إذا وُجد فردٌ واحدٌ لم يشعر بالشعب الفلسطيني فلا يُعتبر إنسانًا (…) أنا لو ما حسيتش كبني آدم يبقى ما ليش لازمة… لو أي بني آدم على وجه الأرض ما حسش باللي بيحصل في فلسطين – بغض النظر عن ديانته – يبقى مش بني آدم. يعني عادي جداً إن يكون هناك 3-4 آلاف ماتوا بصواريخ؟ عادي ماتوا؟”.

بدت كأن حسام حسن قرّر مسبقًا أن يستثمر المنبر الذي مُنح له بصفته مدربًا لإشهار كلمة حق أمام العالم؛ وفي تلك اللحظة صار “بطلنا” جميعًا.

منذ 24 سنة كان حسام حسن نفسه لاعب كرة قدم شابًا نازلاً الملعب كأحد لاعبي المنتخب العربي المصري لمواجهة منتخب الفدائي الفلسطيني على استاد القاهرة عام 2002. وفي مقطع فيديو قديم يظهر حسن لابسًا شارة المنتخب الفلسطيني تعبيرًا ودّيًّا عن انتمائه العاطفي لفلسطين رغم خوضه المباراة ضد فريقها حينذاك؛ أليسَ هذا نوعًا خاصًا من الولاء والانتماء؟..

****.

وكما حال المدرب كذلك أمر اللاعبين والجماهير المشجِّعة في الملعب وخلف الشاشات؛ حيث كان يلوح علم فلسطين ويعلو هتاف لغزة وتصير المباراة مع الأرجنتين كأنها “منافسة رمزية” بين فسطاطين.

في مدينة دالاس الأميركية تحول تجمع مشجعي منتخبي مصر والمغرب (وهؤلاء ليسوا مصريين ومغاربة فقط بل أبناء المنطقة كافة) إلى ساحة احتفال غطتها الأعلام الفلسطينية على وقع أغنية “أنا دمي فلسطيني”.

جماهير عربية تحتفل في مدينة دالاس بالولايات المتحدة على وقع أغنية “أنا دمي فلسطيني”. (المصدر: إحسان عوض- انستغرام).

الفيفا متهمة بالانحياز.

شعر الناس بالأمل وشعروا بفخر بانتمائهم وهذا وحده مكسب لا يُقدَّر بثمن؛ فقد خسرت مصر مباراة الثلاثاء الماضي مع الأرجنتين بعد تقدم مذهل للمنتخب المصري بهدفين مقابل صفر قبل أن يُلغى الحكم أحد الأهداف المصرية بحجة وجود خطأ من لاعبٍ مصري ليُتهم بالتغاضي عن خطأ مماثل من لاعبٍ أرجنتيني سمح بانقلاب النتيجة لصالح الأرجنتين في الدقائق الأخيرة من المباراة. رفع مدرب المنتخب المصري يديه بعلامة X مبديًا استياءه ورمز العنصرية ضد الحكم الفرنسي مُتهمًا إياه بالانحياز.

لم يطل الصباح التالي إلا بسيلٍ من التعليقات السياسية ومن محللين كرويين دوليين حول ازدواج المعايير في انتقاء الأخطاء والأهداف وتحدث المنتخب المصري عن ظلم وانعدام عدالة؛ لكن ردود الفعل الشعبية تجلت بعاطفة تكاد تكون أمومية: “ما تزعلوش! رفعتوا راسنا! يا أبطال! شرّفتونا!”.

هؤلاء نحن..

وبغض النظر عن التفاصيل التقنية والأخطاء ودهاليز مؤسسة الفيفا التي تواجه اتهامات بالفساد والانحياز (دونالد ترامب مثلاً تدخل لإبطال عقوبة البطاقة الحمراء للاعب أميركي وهو ما شكّل فضيحة مرّت بكل الأحوال!) يبقى هذا الموسم الرياضي تذكيراً بأن كرة القدم ميدان كبير للسياسة والمجتمع أيضاً وفرصة لقياس مشاعر الناس وانحيازاتهم وعاطفتهم بما يفاجئ المتابع أحياناً بتجاوز الحدود والعصبيات الضيقة التي يقوم عليها مبدأ تشجيع فريق أو آخر.