أكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن كأس العالم لكرة القدم يُعتبر الحدث الرياضي الأكثر مشاهدة على مستوى العالم، وقد باتت نسخة عام 2026 محل اهتمام أكاديمي وعلمي متزايد، ليس فقط من منظور رياضي، بل من منظور بيئي ومناخي بالغ الأهمية. تُقام هذه النسخة في الفترة الممتدة من الحادي عشر من يونيو حتى التاسع عشر من يوليو 2026، موزعة على 16 مدينة مضيفة في ثلاث دول: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، على أن تُقام المباراة النهائية في ولاية نيوجيرسي. وفي ضوء ما يشهده العالم من تسارع في وتيرة التغير المناخي، يتم طرح تساؤلات جوهرية حول التداعيات البيئية لهذه البطولة الكبرى، سواء على صعيد الانبعاثات الكربونية أو المخاطر الصحية التي تهدد اللاعبين والجماهير.

البصمة الكربونية لكرة القدم.

يمثل توسيع نسخة 2026 إلى 48 فريقًا نقلة نوعية في حجم الانبعاثات المتوقعة؛ إذ تضم البطولة 104 مباريات موزعة على شتى أنحاء القارة الأمريكية الشمالية، مقارنةً بـ 64 مباراة و32 فريقًا فقط في النسخة السابقة من البطولة في قطر 2022، والتي اتسمت بتركيز جغرافي واضح. وتعني المسافات الشاسعة بين المدن المضيفة تضخمًا كبيرًا في بصمة النقل الجوي لكلٍّ من الفرق والجماهير والطاقم التنظيمي. ويزيد من خطورة هذا المشهد أن مبادرات الاستدامة في عالم كرة القدم لا تحظى بالموافقة المؤسسية عادة إلا ما دامت لا تمس المكونات الأساسية للبطولات؛ مثل جداول المباريات وحقوق البث واتفاقيات الرعاية. فضلًا عن أن أندية النخبة لا تزال تُولي زيادة إيراداتها أولويةً على حساب خفض التكاليف البيئية، رغم المخاطر المالية المتصاعدة الناجمة عن الفيضانات وموجات الحر واضطرابات المباريات.

ولا تقتصر البصمة الكربونية لكرة القدم على سفر الجماهير أو استهلاك الطاقة في الملاعب، بل تمتد لتشمل عوامل أخرى؛ في مقدمتها النمو التجاري المتسارع الذي شهدته هذه الرياضة على مدى عقود، وتوسع شبكة شراكاتها الاقتصادية لتطال قطاعات متعددة، بما فيها شركات الوقود الأحفوري.

مخاطر تغير المناخ في مواقع البطولة.

يشكل التباين الجغرافي الواسع بين مدن الاستضافة أحد أبرز التحديات المناخية لهذه النسخة. فبينما يُرجح أن تسجل المدن الشمالية والساحلية في كندا وعلى طول الساحل الهادئ الأمريكي درجات حرارة معتدلة نسبيًّا، ستشهد المناطق الجنوبية والداخلية في الولايات المتحدة والمكسيك موجات حرارة شديدة خلال ساعات النهار. يُضاف إلى ذلك ارتفاع ملحوظ في مستويات الرطوبة على طول السواحل وفي منطقة الغرب الأوسط، مما يجعل أثر الحرارة على الجسم أشد خطورة مما تعكسه درجات الحرارة وحدها.

وقد خلص باحثون إلى أن 10 من أصل 16 موقعًا مضيفًا معرضة لخطر مرتفع جدًّا للإجهاد الحراري الشديد. كما أن ما يقارب 90% من هذه المواقع تسجل مستويات حرارية تتجاوز العتبات التي توصي بعض الهيئات الرياضية الحاكمة عندها بتأجيل المباريات أو إلغائها، وذلك تحديدًا خلال ساعات ما بعد الظهر. ومن المتوقع أن تُقام 26 مباراةً في ظروف حرارية صعبة، منها 9 مباريات في ملاعب غير مكيفة.

ولا تُعد هذه المخاوف افتراضية؛ فقد كشفت بطولة كوبا أمريكا 2024 التي أُقيمت في الولايات المتحدة عن مدى جدية هذا الخطر حين اضطر الحَكَم الجواتيمالي (هومبرتو بانجوج) للانسحاب من مباراة كندا وبيرو في كانساس سيتي إثر انهياره على أرض الملعب وسط درجة حرارة بلغت 33 درجة مئوية ورطوبة نسبية تجاوزت 50%.

تهديدات الإجهاد الحراري الصحية في البطولة.

يتم تصنيف الإجهاد الحراري الناجم عن الأداء الرياضي ضمن أكثر المخاطر الصحية الرياضية شيوعًا وخطورةً. وقد رصدت الدراسات الوبائية أعلى معدلات إصابة به في رياضات كرة القدم الأمريكية والجري وركوب الدراجات وسباقات المغامرة. ويتجلّى أشد أشكاله خطورةً في ضربة الشمس المجهدة، التي تتميز باضطرابات حادة في الجهاز العصبي المركزي وارتفاع درجة حرارة الجسم إلى ما فوق 40 درجة مئوية، مما يُفضي إلى تلف الأعضاء والأنسجة ويُهدد الحياة مباشرةً.

وبحكم طبيعتها التي تجمع بين الجهد البدني الشديد والتعرض المطوّل للبيئة الخارجية، تعد كرة القدم من أكثر الأنشطة عرضةً لهذا الخطر. وتبرز الحاجة إلى تدابير تكيفية فاعلة تضمن سلامة اللاعبين والحكام؛ تشمل فترات التبريد الإلزامية خلال المباريات وفق سياسة الفيفا، بالإضافة إلى إعادة جدولة المباريات ذات الخطر المرتفع بعيدًا عن ساعات الذروة الحرارية، لا سيما في مدن كمونتيري وميامي وكانساس سيتي وبوسطن ونيويورك وفيلادلفيا.

مقارنة مع نسخة قطر 2022 واستخلاص الدروس.

اعتمدت قطر خلال نسخة كأس العالم 2022 مجموعة من التدابير التي تهدف إلى الحد من تأثيرات الحرارة الشديدة؛ تجلّت تلك التدابير في نقل موعد البطولة من يونيو/يوليو إلى نوفمبر/ديسمبر تحاشيًا لذروة الصيف وتصميم الملاعب وفق معايير مبتكرة تجمع بين التظليل الأمثل والتبريد السلبي وأنظمة التكييف الموجهة نحو مدرجات المشجعين وأرض الملعب.

وقد امتدت جهود التنظيم لتشمل تخفيض الانبعاثات؛ حيث أعلنت اللجنة العليا للمشروعات والإرث أن الاعتماد على شبكة الكهرباء الوطنية بدلًا من مولدات تعمل بالديزل أسهم بشكل كبير في منع انبعاث حوالي 9000 طن من ثاني أكسيد الكربون خلال أيام البطولة. وتم إنشاء 44 محطة فرعية لمواقع المنافسات مما أتاح تخفيض عدد المولدات المستخدمة من 185 إلى 70 فقط. كما تم توفير حوالي 82% من احتياجات الطاقة عبر الشبكة الوطنية مباشرةً وتطبيق استراتيجية صارمة لإدارة النفايات خلال مراحل بناء الملاعب أسفرت عن إعادة تدوير حوالي 80% من مخلفات إنشاء الملاعب.

ومع ذلك، فإن النسخة الحالية من البطولة لعام 2026 تبدو مغايرة تمامًا؛ حيث ارتفعت تقديرات إجمالي الانبعاثات الناتجة عن الغازات الدفيئة للبطولة إلى نحو 7.8 ملايين طن مكافئ لثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل حوالي ضعف إجمالي الانبعاثات الرسمية لنسخة قطر 2022. ويعود ذلك إلى منظومة متكاملة تشمل رحلات الفرق وسفر المشجعين وتشغيل الملاعب والإقامة واللوجستيات وإدارة النفايات.

والجدير بالملاحظة أن مصادر هذه الانبعاثات تختلف جذريًّا بين النسختين؛ فبينما تحملت قطر أعباء ضخمة خلال مرحلة البناء نظرًا لإنشائها سبعة ملاعب جديدة بالكامل، تعتمد النسخة الحالية على الملاعب القائمة مما يقلل حصة البنية التحتية إلى حوالي 3% فقط من إجمالي الانبعاثات. ومع ذلك يقابل هذا الوفر تضخم غير مسبوق في انبعاثات سفر الجماهير التي تستحوذ على ما يقدر بـ87% من الإجمالي؛ وهو رقم يعكس الطبيعة القارية للبطولة الممتدة عبر ثلاث دول بمتوسط مسافات سفر أطول بكثير مما كانت عليه الحالة أثناء كأس العالم الماضية.

وعلى صعيد مخاطر الحرارة تُقام نسخة كأس العالم لعام 2026 وسط موسم الصيف دون أن تتمتع جميع ملاعبها بأنظمة تكييف مكافئة لما كان موجودًا خلال بطولة قطر السابقة؛ وذلك رغم الدروس المستفادة والتحذيرات العلمية المتكررة. وإذا كانت الملاعب المكيفة قادرة على تخفيف وطأة الحرارة داخل أسوارها فإن الظروف الخطرة ستظل قائمة للجماهير خارجها وفي التجمعات ومناطق المشجعين وسائر الفعاليات المصاحبة للبطولة. مما يبرز أهمية الاستفادة القصوى من الدروس المستخلصة عند التخطيط للبطولات الرياضية الكبرى وسط التغيرات المناخية المتسارعة.

ختاماً تكشف العلاقة بين كأس العالم لعام 2026 وأزمة المناخ عن اتجاه تأثير متبادل؛ فالحدث بتوسع نطاقه الجغرافي والتنظيمي غير المسبوق يسهم بشكل كبير في تفاقم تغير المناخ عبر انبعاثاته المتزايدة بينما تواجه تداعيات تلك الأزمة عبر موجات حر تهدد سلامة اللاعبين وتعوق سير المنافسات. ومن ثم تبرز أهمية دمج مديري الاستدامة ضمن منظومة اتخاذ القرار كضرورة مؤسسية وليس مجرد ترف إداري؛ إذ إن كرة القدم تحتل مكانة ثقافية فريدة تمس ملايين المشجعين والمتطوعين واللاعبين حول العالم ولديها القدرة لتحويل نفسها إلى فاعل رئيسي ضمن جهود التخفيف ضد تغير المناخ.