تمثل مرحلة الخطبة إحدى أهم المراحل التي تسبق تكوين الأسرة، لكنها غالبًا ما تكون سببًا في نزاعات قانونية واجتماعية، خاصة عند انتهاء العلاقة قبل إتمام الزواج. تتكرر الخلافات بشأن مصير الشبكة والمهر والهدايا المتبادلة، وما إذا كان يحق لأي من الطرفين المطالبة باسترداد ما قدمه أو الحصول على تعويض. ومع تزايد هذه المنازعات أمام المحاكم، برزت الحاجة إلى إطار قانوني واضح يحسم هذه المسائل ويحدد حقوق والتزامات كل طرف بصورة دقيقة.
في هذا الإطار، حرص مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد على وضع تنظيم متكامل لأحكام الخطبة وآثار انتهائها، بما يحقق التوازن بين حقوق الطرفين، ويحد من النزاعات التي قد تنشأ عقب فسخ الخطبة. وقد استند المشروع إلى الأحكام الفقهية المستقرة مع مراعاة الأعراف الاجتماعية السائدة، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الأسري وحماية الحقوق.
وأوضح مشروع القانون أن الخطبة تُعتبر وعدًا بالزواج ولا يترتب عليها أي أثر من الآثار القانونية المترتبة على عقد الزواج. وهذا يعني أن مجرد الخطبة لا تنشئ حقوقًا أو التزامات زوجية بين الطرفين، وإنما تظل مرحلة تمهيدية يجوز لأي من الخاطبين العدول عنها وفقًا للضوابط التي حددها القانون.
الشبكة جزء من المهر في حالات محددة.
نظم مشروع القانون الأحكام المتعلقة بالشبكة، مؤكدًا أنها تُعتبر جزءًا من المهر إذا جرى العرف على ذلك أو اتفق الطرفان صراحة. كما وضع قواعد واضحة لاسترداد المهر في حال العدول عن الخطبة أو وفاة أحد الخاطبين، إلى جانب تنظيم مصير الجهاز والهدايا المتبادلة.
وأشار المشروع إلى أن تحديد الطبيعة القانونية للشبكة يهدف إلى إنهاء الخلافات التي طالما نشأت بشأنها، من خلال ربطها بالعرف أو الاتفاق بين الطرفين، مما يضمن وضوح المراكز القانونية عند حدوث أي نزاع.
ضوابط استرداد الهدايا.
نصت المادة الثالثة من مشروع القانون على تنظيم استرداد الهدايا وفقًا لأحكام المذهب المالكي. حيث لا يجوز للطرف الذي يعدل عن الخطبة دون سبب مقبول أن يسترد ما قدمه من هدايا، بينما يحق له استردادها إذا كان العدول بسبب الطرف الآخر بشرط أن تكون الهدايا ما زالت موجودة أو المطالبة بقيمتها وقت الاسترداد إذا تعذر ردها، باستثناء الهدايا التي جرى العرف على استهلاكها بطبيعتها.
كما أوضح المشروع أنه إذا انتهت الخطبة باتفاق الطرفين، يسترد كل منهما ما قدمه من هدايا إذا كانت لا تزال قائمة أو قيمتها وقت المطالبة، ما لم تكن من الأشياء التي تستهلك بطبيعتها.
أما في حالة انتهاء الخطبة بسبب وفاة أحد الطرفين، فقد نص المشروع على عدم جواز مطالبة أي من الطرفين أو ورثته باسترداد الهدايا مراعاةً للظروف الإنسانية المرتبطة بهذه الحالة.
لا تعويض عن العدول إلا في حالات محددة.
أكدت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون أن مجرد العدول عن الخطبة لا يترتب عليه استحقاق أي تعويض باعتبار أن الخطبة لا تُعد عقدًا ملزمًا بالزواج وإنما وعدًا يجوز الرجوع عنه.
واستثنى المشروع من ذلك الحالات التي يقترن فيها العدول بخطأ مستقل يسبب ضررًا ماديًا أو أدبيًا للطرف الآخر. إذ يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض وفقًا لقواعد المسؤولية التقصيرية وليس بسبب العدول في حد ذاته.
حسم المنازعات وفق قانون الأحوال الشخصية.
أوضحت المذكرة الإيضاحية أن المنازعات المتعلقة بالشبكة تدخل ضمن مسائل الأحوال الشخصية ولا تخضع لأحكام الهبة الواردة في القانون المدني. وهو ما يمنح هذه المنازعات إطارًا قانونيًا خاصًا يتناسب مع طبيعتها الأسرية والاجتماعية.
ويرى متابعون أن الأحكام الجديدة تستهدف تقليل النزاعات القضائية بين الخاطبين وتحقيق قدر أكبر من الوضوح والاستقرار القانوني من خلال تحديد الحقوق والالتزامات منذ مرحلة الخطبة بما يحقق التوازن بين الطرفين ويحافظ على الحقوق وفق قواعد قانونية محددة.

