كان هناك زمن تُختزل فيه كرة القدم في سؤال واحد: من يمتلك الكرة أكثر؟ ثم تطورت اللعبة، وأصبح السؤال: من يصنع فرصًا أكثر؟ أما اليوم، فلم يعد أي من السؤالين كافيًا. ففي كرة القدم الحديثة، لم تعد المباراة تُلعب ككتلة واحدة، بل كاثنتي عشرة حالة لعب متعاقبة، لكل منها قوانينها الخاصة، وأبطالها المختلفون، وحتى مدربوها الذين يخصصون جلسات تدريب كاملة لتحسينها. قد يكون منتخب هو الأفضل في بناء اللعب من الخلف، لكنه يعاني عندما يصل إلى الثلث الأخير. وقد يجيد آخر الضغط العالي، لكنه يتراجع عندما يفقد الكرة. وربما يمتلك فريق أفضل منظومة للكرات الثابتة، بينما يبقى عاجزًا عن التعامل مع العرضيات الدفاعية. لم تعد اللعبة تُقرأ فقط عبر النتائج أو نسب الاستحواذ، بل عبر تحليل كل مرحلة من مراحل اللعب باعتبارها عالمًا مستقلًا بذاته له مؤشرات أداء وأفكار تكتيكية مختلفة. فقد نجد منتخبًا لا يسيطر على الكرة، لكنه يقدم أفضل نموذج للدفاع المتوسط. ونجد آخر لا يسجل العدد الأكبر من الأهداف، لكنه يقدم أكثر الطرق تطورًا للوصول إلى الثلث الأخير. بينما ينجح منتخب ثالث في تحويل لحظة فقدان الكرة إلى فرصة هجومية بفضل منظومة ضغط مدروسة لا تعتمد على الجهد بقدر اعتمادها على التموضع. لهذا، لا أحاول في هذا الموضوع اختيار أفضل منتخب في كأس العالم 2026 بل أبحث عن إجابة لسؤال أكثر إثارة: إذا أردت أن تتعلم كل حالة من حالات اللعبة الحديثة… أي منتخب يجب أن تشاهد؟ اعتمدت في هذه الاختيارات على مراجعة تقارير اللجنة الفنية لـ FIFA وتحليلات “FIFA Training Centre” إلى جانب مؤشرات الأداء والإحصاءات الخاصة بالبطولة مع التركيز على الفكرة التكتيكية التي ميزت كل منتخب لا على النتائج وحدها. إذا كانت كرة القدم الحديثة تُلعب على مراحل… فأول سؤال يجب أن نبدأ به هو: كيف تُبنى الهجمة من الأساس؟ إذا أردت مشاهدة أفضل بناء لعب… شاهد إسبانيا يظن كثيرون أن بناء اللعب يبدأ عندما يمرر الحارس الكرة إلى قلب الدفاع. لكن الحقيقة أنه يبدأ قبل ذلك. يبدأ من التمركز. فأفضل فرق العالم لا تبحث أولًا عن التمريرة بل عن خلق لاعب حر. وإذا نجحت في ذلك تصبح التمريرة مجرد نتيجة طبيعية وهذا بالضبط ما قدمته إسبانيا في كأس العالم 2026. لم يكن المنتخب الإسباني الأكثر إبهارًا لأنه مرر الكرة أكثر من غيره بل لأنه جعل فقدانها حدثًا نادرًا منذ أول مراحل الهجمة. فقد اعتمد لويس دي لا فوينتي على بناء اللعب عبر تشكيل أفضلية عددية في الخط الأول سواء باستخدام الحارس كلاعب إضافي أو بتمركز لاعبي الوسط بين خطوط ضغط المنافس لتظل أمام حامل الكرة دائمًا زاويتان أو ثلاث للتمرير. لا يرتبط نجاح بناء اللعب بعدد التمريرات بل بقدرة الفريق على خلق أي تفوق عددي أو تمركزي يسمح بتجاوز خط الضغط الأول بأقل عدد من اللمسات ولهذا لم يكن منتخب إسبانيا يستدرج ضغط المنافس هربًا منه بل لأنه كان يريد خلق المساحة التي يبحث عنها فكلما تقدم المنافس لاعبًا إضافيًا ظهر خلفه فراغ جديد لتتحول محاولة افتكاك الكرة إلى أفضل فرصة لبداية الهجمة.
وكان اللافت أن هذه المنظومة لم تعتمد على مهارة لاعب بعينه فمرة يبدأ الهجوم عبر قلب الدفاع ومرة عبر لاعب الارتكاز ومرة عبر الحارس لكن الفكرة بقيت ثابتة: لا يوجد لاعب يحمل الكرة دون أن يمتلك خيارًا آمنًا للتقدم بها وتُظهر بيانات البطولة أن الفريق حافظ على واحدة من أعلى نسب الاستحواذ ودقة التمرير بين المنتخبات المتقدمة لكن هذه الأرقام لم تكن سوى نتيجة لفكرة أكبر: السيطرة على المساحات قبل السيطرة على الكرة ولعل أجمل ما في بناء اللعب الإسباني أنه لم يكن غاية في ذاته بل كان تمهيدًا لكل ما سيأتي بعده.
فالمنتخب الذي يعرف كيف يخرج بالكرة بهدوء هو نفسه الذي يعرف كيف يحمي نفسه إذا فقدها إذا أردت أن تتعلم كيف تبدأ الهجمة… فشاهد إسبانيا لكن لا تراقب الكرة… راقب اللاعبين الذين لا يملكونها لكن بناء اللعب وحده لا يكفي… فكيف تتحول السيطرة إلى تقدم فعلي نحو المرمى؟إذا أردت مشاهدة أفضل تطوير للهجمة… شاهد فرنسا هناك فرق تتقدم بالكرة لأنها تمتلك لاعبين سريعين وفرق أخرى تتقدم لأنها تمرر الكرة بسرعة فكانت تتقدم لأنها تعرف أين توجد المساحة التالية قبل أن تصل إليها الكرة وهذا هو الفارق ففي كرة القدم الحديثة لا يُقاس نجاح الفريق بعدد الأمتار التي يقطعها بالكرة بل بقدرته على نقلها من منطقة منخفضة الخطورة إلى منطقة مرتفعة الخطورة دون أن يفقد هيكله هذه هي مرحلة تطوير الهجمة وهي المرحلة التي تربط بين بناء اللعب والوصول إلى الثلث الأخير وكان المنتخب الفرنسي أفضل من جسّدها في كأس العالم 2026.
لم يعتمد ديدييه ديشامب على الاستحواذ الطويل ولم يطلب من لاعبيه الاحتفاظ بالكرة لمجرد الاحتفاظ بها كانت الفكرة أبسط وأكثر حسمًا: تجاوز أكبر عدد ممكن من خطوط المنافس بأقل عدد ممكن من التمريرات ولهذا أصبحت أنصاف المساحات السلاح الأهم في الهجوم الفرنسي فهي المناطق التي يصعب على الدفاع مراقبتها لأنها تقع بين قلب الدفاع والظهير وبين لاعب الوسط والجناح وكلما وصلت الكرة إليها أصبح دفاع المنافس مضطرًا إلى اتخاذ قرار صعب؛ هل يخرج لمواجهة حامل الكرة ويترك فراغًا خلفه؟ أم يحافظ على موقعه ويمنح اللاعب الوقت لرفع رأسه؟
وفي قلب هذه المنظومة برز اسم مايكل أوليس لم يكن أكثر اللاعبين لمسًا للكرة لكنه كان أكثرهم تأثيرًا في اتجاهها يتحرك باستمرار بين الخطوط يستلم بجسده المفتوح نحو الأمام ويبحث عن التمريرة التي تكسر التنظيم الدفاعي بدلًا من تلك التي تحافظ على الاستحواذ.
ولم يكن هذا مجرد انطباع بصري فقد أنهى أوليس دور الـ32 وفي رصيده خمس تمريرات حاسمة وهو أعلى رقم في البطولة آنذاك كما تصدر مؤشرات الإبداع الهجومي التي اعتمدت عليها تحليلات الأداء في البطولة بفضل قدرته على صناعة الفرص وتحريك الكرة نحو المناطق الأخطر لكن تميز فرنسا لم يكن مرتبطًا بأوليس وحده فكل حركة منه كانت تقابلها حركة أخرى من كيليان مبابي في العمق أو على الجهة اليسرى بينما يمنح عثمان ديمبيلي الفريق عرض الملعب في الجهة المقابلة وبهذا لم يكن منتخب فرنسا ينقل الكرة أفقيًا بل كان ينقل الدفاع نفسه من مكان إلى آخر حتى تظهر الفجوة التي ينتظرها.
لم يكن المنتخب الفرنسي يبحث عن كثرة التمريرات بل عن التمريرة التي تلغي خطًّا دفاعيًا كاملً افكل تمريرة ناجحة إلى نصف المساحة كانت تعني أن الفريق اقترب خطوة جديدة من المرمى دون الحاجة إلى مجهود فردي مبالغ فيه.
ولهذا لم يكن سر الديوك أنهم يملكون لاعبين موهوبين بل أنهم يعرفون كيف يجعلون الكرة تتحرك أسرع من دفاع المنافس إذا أردت أن تتعلم كيف تنتقل بالكرة من منتصف الملعب إلى مناطق الخطورة… فشاهد فرنسا لكن رغم ذلك فإن الوصول إلى مناطق الخطورة ليس الهدف النهائي… السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث عندما تقترب من المرمى؟إذا أردت مشاهدة أفضل هجوم في الثلث الأخير… شاهد المكسيكمن السهل أن تصل إلى الثلث الأخير ولكن من الصعب أن تعرف ماذا تفعل عندما تصل إليه وهنا سقطت منتخبات كثيرة في كأس العالم 2026.
كانت تصل إلى مشارف منطقة الجزاء ثم تبدأ في تدوير الكرة بلا هدف أو تعتمد على مهارة فردية لإنهاء الهجمة أما المنتخب المكسيكي… فكان يبدو وكأنه يعرف نهاية الهجمة قبل أن تبدأ لم يكن تركيز منتخب المكسيك على عدد الأهداف أو التسديدات بل على الطريقة التي يصل بها الفريق إلى لحظة التسديد حيث يمكن وصف الأداء في الثلث الأخير بأنه أحد أكثر النماذج تنظيمًا في البطولة بفضل الحركة المستمرة للاعبين دون كرة والتبادل السريع للمراكز والاعتماد المتكرر على اللاعب الثالث لكسر التكتلات الدفاعية وهذه هي الفكرة التي صنعت الفارق.
في كثيرٍ من المنتخبات يحمل اللاعب الكرة بحثا عن زميل يستلمها أما في المكسيك فكان اللاعب يمرر وهو يعرف أن المستلم الحقيقي ليس صاحب التمريرة الأولى بل صاحب التمريرة الثانية فالجناح يستلم ليهيئ ولاعب الوسط يمرر ليجذب المدافع والمهاجم يتحرك ليس لاستلام الكرة بل لفتح المساحة أمام القادم من الخلف.
هذه السلسلة من التحركات تجعل دفاعات المنافسين تتعامل مع ثلاثة لاعبين في الوقت نفسه بينما كانت الكرة تمر بينهم بلمسة أو لمستين فقط
تميز المنتخب المكسيكي كذلك بسرعة اتخاذ القرار داخل منطقة الجزاء فلم يكن اللاعب يبحث عن اللمسة المثالية بل عن أسرع حل جماعي يحافظ على إيقاع الهجمة قبل أن يستعيد الدفاع توازنه وكان اللافت أيضًا أن كثيرً امن فرص الفريق لم تبدأ من عرضية أو مراوغة بل من تحرك عكسي يتحرك المهاجم بعيدً ا عن المرمى فتتبعه قلب الدفاع لتظهر المساحة التي ينطلق إليها لاعب الوسط أو الجناح
إنها تفاصيل صغيرة لكنها هي التي تصنع الفارق بين هجمة تنتهي بتسديدة وأخرى تنتهي بتمريرة عرضية بلا عنوان ولذلك لم يكن المنتخب المكسيكي أخطر فرق البطولة لأنه امتلك أفضل المهاجمين بل لأنه امتلك أفضل تناغم جماعي في أكثر مناطق الملعب ازدحامً ا إذا أردت أن تتعلم كيف تُصنع الفرص داخل الثلث الأخير… فشاهد المكسيك ولكن ليس كل فريق يسمح لك بالوصول بسهولة… فكيف تتعامل مع فريق قرر أن يغلق كل المساحات؟إذا أردت مشاهدة أفضل دفاع منخفض… شاهد اليابانهناك فرق تتراجع لأنها أُجبرت على ذلك وهناك فرق تتراجع لأنها لا تملك خيارً ا آخر أما المنتخب الياباني… فكان يتراجع لأنه اختار ذلك وهذا هو الفرق بين الدفاع السلبي والدفاع المنظم
في كرة القدم الحديثة لا يُقاس نجاح الدفاع المنخفض بعدد اللاعبين داخل منطقة الجزاء بل بقدرته على جعل المساحات المهمة تختفي ولهذا لم يكن المنتخب الياباني يحاول افتكاك الكرة في كل هجمة بل كان يحاول أولً ا أن يجعل اللعب في العمق مستحيلً ا حافظت الكتلة الدفاعية اليابانية باستمرار على تقارب أفقي ورأسي بين خطوطها مع تضييق المسافات بين المدافعين ولاعبي الوسط بحيث يجد المنافس نفسه مضطرً ا لتدوير الكرة حول الكتلة بدلً امن اختراقها
وكانت المسافة بين الخطوط هي السر فإذا حاول المنافس التمرير بين لاعبي الوسط والدفاع وجد لاعبً ايابانيّ ا قد أغلق زاوية الاستلام قبل وصول الكرة وإذا انتقلت الكرة إلى أحد أنصاف المساحات انكمشت الكتلة كلها نحو جهة اللعب دونأن تفقد توازنها لتبقى المسافات قصيرة والخيارات محدودة
ولم يكن الهدف استعادة الكرة بسرعة بل إبطاء الهجمة هذه نقطة كثيراً ما يغفلها المشجعون فكل ثانية إضافية يحتاجها المنافس لاتخاذ قراره تمنح الدفاع وقتا لإعادة التموضع وتقلل جودة الفرصة حتى لو وصلت الكرةفي النهاية إلى منطقة الجزاء ولهذا نادرً ما شاهدنا المنتخب الياباني يركض خلفالكرة كان يجعل الكرة هي التي تركض حوله كما برز التزام لاعبيه الدفاعي بمراقبةالمساحات بدلً امطاردة اللاعبين فلم يكن المدافع الياباني يخرجمن موقعه لملاحقة مهاجم يتحرك بعيداًعن المنطقة الخطرة لأن المنظومة كانت مبنيةعلى حماية المكان لاعلى مطاردة الأشخاص ولهذا السبب بدت الفريق واحداًمن أكثر المنتخبات هدوءاً تحت الضغط رغم أنه واجه منتخبات تمتلك جودة هجومية كبيرة إذا أردتأن تتعلم كيف تدافع قريباًمن مرماك… فشاهد اليابان أحياناًلا يكون الخصم متراجعاً بالكامل..بل يقففي منتصف الطريق محاولاً التحكمفي الإيقاع بدلًامن إغلاق الملعب تماماًإذا أردت مشاهدة أفضل دفاع متوسط… شاهد المغربفي السنوات الأخيرة أصبحالدفاع المتوسط أحدأكثر الأسلحة التكتيكية انتشاراًليس لأنه يمنحك الاستحواذ ولا لأنه يجعلك تدافع قريباًمن مرماكبل لأنه يجبرالمنافسعلىاللعبفي المكان الذي تريده أنت وهذا ما أتقنه المنتخب المغربيفي كأس العالم 2026
فبدلاًمن الضغط بجنونعلى حاملالكرة أوالتراجع الكاملإلىحدود منطقة الجزاء حافظ الفريقعلى كتلة دفاعية متوسطة الارتفاع تضيقالمسافاتبين خطوطه وتغلق الممرات المؤديةإلى العمق قبلأن يبدأفي توجيهللعبنحو الأطراف يعتبرالمنتخب المغربي أحد أبرز المنتخباتالتي نجحتفي حمايةالممر المركزي وهو الشريط الأخطرفي الملعب حيث تُصنع أغلب الفرص عالية الجودة
وكان هذا التنظيم يجبرالمنافسينعلىالبحثعن حلولجانبية أقلخطورة بدلاًمناللعببينالخطوطأو اختراق قلبالدفاع
لكن مايميز أسودالأطلسلم يكون مكان تمركزهم فقط..بل توقيتضغطهم
فالفريقلم يكن يضغطعلىكل تمريرةبل كان ينتظر اللحظة المناسبة وما إن تنتقلالكرةإلى لاعبمعزولأوإلى جهة قريبةمن الخط الجانبي حتى تتحرك المنظومة كلهافي الوقت نفسه
يخرج الظهيرلمواجهة حاملالكرة ويغلقالجناحزاوية العودةإلى الداخل بينما يتحركلاعب الوسطلتغطية نصفالمساحة ويتقدم قلبالدفاع عدة خطواتلتقليصالمسافة خلفهم
إنهاب ليست مطاردة..بل مصيدة ولهذا بدا كثيرٌمن المنافسين وكأنهم يملكونالكرةلكنهملايعرفون ماذايفعلون بها فالاستحواذ وحدهلايعني السيطرةإذا كان كل تمرير يقودكبإلى منطقة أقلخطورة مِنسابقتها كماتميزالفريقبقدرتهعلىالحفاظعلى انضباطه حتىفي اللحظاتالتييفشل فيها الضغط الأول فلم تكن خطوطهيتفككو ولم يندفعلاعبيه بشكل فردي لاستعادةالكرةبل يعودكل لاعبإلى موقعهيداخل المنظومةلتبدأ الدورةالدفاعية مجددًاهذا ما جعلالدفاع المتوسط المغربي يبدو وكأنه يتحرك بنَفَسواحد ولهذا فلم يسراس المغربفيممتلكمدافعين مميزين فقط..بل إنه جعلالمساحةهي المدافع الأول إذا أردتأن تتعلمكيف تمنعخصمكَمناللعبفي المكان الذي يريدونه..فشاهد المغرب لكن ماذا لو لم ينتظرالفريق خصمه أصلاً وقرر استعادةالكرةفي نصف ملعبهإذا أردت مشاهدةأفضلضغطعالٍ… شاهد الولايات المتحدةليس كل ضغطعالٍ يعني الركضخلفالكرةبل إن أغلب محاولات الضغطالفاشلة تبدأمنهذاالفهم الخاطئ فالضغطفي كرة القدم الحديثةلا يقومعلى ملاحقة حاملالكرة وإنماعلى صناعة الخطأ الذي سيقودإلىافتكاكهابذالكبالضبطماقدمهمنتخب الولايات المتحدة بقيادةماوريسيو بوكيتينوفي كأسالعالم 2026 منذ المباراةالأولى بدا واضحاًأن المنتخب الأمريكيلايريد فقط استعادةالكرّة بسرعةبل يريدأن يُحدد للمنافس التمريرةالتي سيلعبهابدا أنه يسمحبتمريرات معينة ويغلق أخرى حتى يجد حاملالكُرة نفسه مضطراًلاختيار الحل الذيكانت المنظومة الأمريكية تنتظره أصلًابهذا مايعرف تكتيكيّاً بـ”مصائد الضغط”برز المنتخب الأمريكي كأحد أكثر المنتخبات تنظيمًافي الضغط الجماعي فلم يكن المهاجميضغط وحدهبل كانت كل حركة يقابلهابتحرك متزامنٍمنالجناح ولاعب الوسط لإغلاق زواياالتمرير ودفعالمنافس نحو الخط الجانبي حيث تقل الخياراتوتصبح استعادةالكُرةأكثر احتمالاً وكانت إحدى السمات اللافتةفي أداء الولايات المتحدة هي الالتزام.
<ففي اللحظة التي ينطلق فيها المهاجم نحو قلبالدفاع يكونالجناح قد أغلقالتمريرهلنحو الظهير بينما يتقدملاعب الوسط لإغلاق العمق وهكذا لا يشعرالمنافس بأنه يتعرض لضغطٍمِنلاعب واحد فقطبل مِنشبكة كاملة تتحرك كوحدة واحدة ولم يكُن الهدفافتكاكالكرّة دائماً مِن اللمسةالأولى ولكن إجبار المنافسعلى لعبتمريرة أطولأوأقل دقةأو بقدمه الأضعف وهي تفاصيل صغيرة تتحولفهذه المستوىإلىفرص هجومية ولم يكُن نجاح الضغط الأمريكيمجرد انطباع بصري ولكنه جاء متناسقاًمع الاتجاه العام الذي رصدته اللجنة الفنيةفى البطولة فقد أوضحت بيانات "Football Performance Insights"أن الفرق التى استعادت الكُرة بسرعةحققتأفضل النتائج إذ استغرقت المنتخبات الفائزة فى المتوسط أربع ثوانٍ أقل لاستعادة الكُرة مقارنة بالمنتخبات الخاسرة وهو مايعكس القيمة الحقيقية للضغط المنظم فى كرة القدم الحديثة وقد كانت بصمةماوريسيو بوكيتينو واضحةفى كل ذلك فمنذ أيامهِمع توتنغهام ثم باريس سان جيرمان وتشيلسي ارتبط اسمه بالضغط المنظم أكثر مِن الضغط العشوائي وفي كأسالعالم نقل هذه الفلسفة إلّى المنتخب الأمريكي ولم يكُن يريد مِنلاعبيه الركض أكثر..بل التفكير أسرع ولهذا فلم يكُن المنتخب الأمريكيأفضلفرق البطولةفى الضغطلأنه استعاد الكُرة أكثَر مِن الجميع..بل لأنه جعل المنافس يرتكب الأخطاء التى أرادتها هو إذا أردتأن تتعلم الضغط العالي..فشاهد الولايات المتحدة ومع كل ضغط ناجح تولد لحظة جديدة..لحظة يتحول فيها الدفاعإلىفرصة هجوميةإذا أردت مشاهدةأفضل تحولٍمِنالدفاع إلَىالهجوم… شاهد فرنسافى الماضي كانتالهجمة المرتدة تعنى أَن تفتكَالكُرة ثم تركض أما اليوم فإنأفضل الفرق تبدأالهجمة المرتدةقبل أَن تستعيدالكُرة أصلّاً وهذاهو المفهوم الذى نطلق عليه اسم “Rest Attack” أى أَن الفريق وهو يهجم أودافع يحافظ علَىتمركز لاعبين فى أماكن تضمن له الانطلاق فور استعادةالكُرة دون الحاجةإلى إعادة تنظيم نفسه وقد قدم المنتخب الفرنسيأفضل نموذج لهذه الفكرة فى كأسالعالم 2026.
<فى أكثَر مِن مباراة لم يكُن استرجاع الكُرةهو الأكثرمايلفت الانتباه..بل مَا يحدثفى الثانية التالية فعندما ينشغل المنافس برد فعله عَلَى فقدان الكُرة تكون الديوكس قد وضعت بالفعل أول تمريرة نحو الأمام لدى المنتخب الفرنسي قدرة رهيبة علَىتحويل الاستعادةالدفاعية إلَى تقدم هجومي خلال ثوانٍ قليلة بفضل تمركزلاعبيه بين الخطوط واستعدادهم المُسبق لاستقبال التمريرة الأولى وهنا يظهر الفرق بينالهجمة المرتدة التقليدية والتحولالهجومي الحديث فالهدفة المرتدة تعتمد غالبا عَلَىالمساحات أما "Rest Attack" فإنه يعتمد عَلَىالتُّمركز كان أحدلاعبي الوسط الفرنسي يحتفظ دائمَا بموقع يسمح له باستلام الكُرة فى مواجهةاللعبة بينما يبدأ أحدالأجنحة الركضقبل أَن تصل إليه التمريرة ويتحرّكَ المُهاجم لسحب أحد قلوبالدفاع بعيدَا عَن العمق.
<كل ذلك يحدث خلال ثانيتين أو ثلاث ولهذا فلم يكُن الفريق بحاجةإلى عشر تمريرات للوصول إلَى منطقة الجزاء فقط احتاج إلَى ثلاث تمريرات فقط لكنها كانت التمريرات الصحيحة وبرز مايكل أوليس مرة أخرى كأحد أهم عناصرهذه المنظومة ليس فقط بتمريراته الحاسمة ولكن أيضًا بقدرته علَى اتخاذ القرار المناسب فى اللحظة الأولى بعداستعادة الكُرة وهي اللحظة التى تكون فيها دفاعات الخصم أقل تنظيمَا وأكثر عرضة للاختراق كما ساعدَ سرعة مبابي وتحركات المُهاجمين العمودية علَىتحويل كل استعادة ناجحةللـكرّة إلَى تهديد حقيقي وهو ما جعل المنتخب الفرنسى واحد مِن أخطر المنتخباتفى التحولاتالهجومية خلال البطولة ولهذا فلم يكُن سر الفريق أنه يركض أسرع مِن غيرهِ..بل أنه يبدأ التفكير فى الهجوم بينما لازالت المنافس يفكر فى كيفيةاستعادةالكُرة إذا اردتَ أَنْ تتعلم التحول مِنالدفاع إلَىالهجوم ..فشاهد فرنسا لكن الوجه الآخر لهذه اللحظة لاتقل أهمية ماذا يحدث عندما تفقد الكُرة فى أعلى نقطة مِن الملعب؟إذا اردْتَ مشَاهدةأفضل لحظة بعد فقدان الكُره… شاهد إسبانيا
<فى كرة القدم التقليدية فإن فقدان الكُره يعني لحظة ارتباك يعود فيها كُل لاعبٍإلىمكانهِ وكل خط يبدأفى إعادة التنظيم وكأن المباراة تضغط عَلَىزر“إعادة ضبط” ولكن فى كرة القدم الحديثة أصبحتهذه اللحظة ليست لحظة سكون..بل أصبحت أخطرلحظةفى المباراة بالكامل وهنا ظهر مفهوم “الضغط العكسى” بدلَ أَن يعودالفريق إِلَىالخلف بعد فقدان الكره يقومبالضغط فورَا عَلَى حاملالكُره الجديد وإغلاق خياراتالتُّمري القريبة خلال ثوانٍ ثم استعادةالكُره فى نفس المنطقة تقريبَا التى فقدتها فيها أوجبر الخصم عَلَى لعب كُرة طويلة غير منظمة لاينقبل المنتخب الإسبانى فكرة فقدانالتوازن بعد فقدان الكره فعندما يفقدونالكُره فإنهم لاينزلون ككتلة واحدة وإنما يتحولون فورَا إلَى شبكة ضغط صغيرة حول موقع الدمغة
<player الأقربيضغط والثانى يغلق زاويةالتُّمري والثالثيغطي العمق وهكذا خلال ثوانٍ قليلة يتحول فقدان الكره إلَى فرصة لاستعادتها تشير تحليلات "FIFA Training Centre" إِلَى أَن واحدة مِن أهم تطورات البطولة كانت زيادة الاعتماد علَي الضغط بعد فقدان الكره بدلاً مِّنالتراجع وتقليل الزمنبين فقدان الكره ومحاولة استعادتها واعتبار أول 5-7 ثوانٍبعدالفقدانه “مسألةاسترجاع حاسمة” وهذا بالضبط مَا ميّز إسبانيا وبالنسبة إلَي اللاروخا فإن الضغطة العكسى ليست مجرد مجهود بدنى ..بل هى امتداد لفكر السيطرة نفسها فالمنتخب الذىيضغطبعد فقدانه للكره لاينظر لنفسهِ “مدافعا” ..بل يرى أَن الهجمة لم تنتهِ بعد لأن أخطرلحظةفى كرة القدم ليست عندما تَحمَل … ولا عندما تدافع …بل عندما يتغيرالوضع مِنواحد الى الآخر وهنا يُحدد الضغط العكسى مَنْيملك السيطرةالحقيقية علَي المباراة اذا اردْتَ ان تفهم المنتحب الإسبانى فى التحويلالدفاعى : لاتبصر الشكلبعد فقدان الكوره ..لكن انظر الى اول ثلاث ثوانٍ فقط اذا اردْتى ان تتعلّم التحوّل مِنالهجوم الى الدّفاع … فشاهد إسبانيا وحتى عندما تتوقف الكوره تمامَا تبقى هناك لحظات يمكن ان تغيّر نتيجة المباراة بالكامل اذا اردْتى ان تشاهدى افضل استغلال للكرات الثابتة … شاهد إنجلتر

.