تصدر قانون التسلل المشهد في بطولة كأس العالم 2026، حيث أثارت سلسلة من القرارات المثيرة للجدل نقاشًا واسعًا بين اللاعبين والمدربين والجماهير، رغم التطور الذي شهدته تقنيات التحكيم في السنوات الأخيرة.

ورغم أن تقنية حكم الفيديو المساعد “VAR” وتقنية التسلل شبه الآلي “SAOT” تم تقديمهما بهدف تقليل الأخطاء التحكيمية وتحقيق أعلى درجات الدقة، إلا أنهما فتحا الباب أمام جدل جديد يتعلق بإلغاء أهداف بسبب فروق لا تتجاوز بضعة سنتيمترات، مما دفع الكثيرين للتساؤل حول ما إذا كانت التكنولوجيا تتعارض مع روح اللعبة.

ووفقًا لصحيفة ذا أثليتك البريطانية، يعود قانون التسلل إلى عام 1863 عندما أدرجه الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ضمن أول نسخة من قوانين اللعبة بهدف منع المهاجمين من التمركز بالقرب من المرمى للحصول على أفضلية غير عادلة.

وينص القانون على أن اللاعب يكون في موقف تسلل إذا كان أي جزء من جسده باستثناء اليدين والذراعين داخل نصف ملعب المنافس وأقرب إلى خط المرمى من الكرة وثاني آخر مدافع لحظة تمرير الكرة إليه.

ولا يطبق القانون في حالات ركلات المرمى أو رميات التماس أو الركلات الركنية.

ومع دخول تقنية الفيديو إلى كرة القدم، أصبحت قرارات التسلل تعتمد في البداية على رسم خطوط افتراضية لتحديد موقف اللاعبين، مما كان يؤدي في بعض الأحيان إلى توقف المباريات لعدة دقائق حتى يتم الوصول إلى القرار النهائي.

لماذا تحول قانون التسلل إلى أزمة في المونديال؟

شهدت بطولة كأس العالم الحالية الاعتماد على تقنية التسلل شبه الآلي التي تحدد لحظة تمرير الكرة تلقائيًا، ثم ترسم خطوط التسلل بصورة آلية اعتمادًا على بيانات دقيقة تجمعها كاميرات متطورة تتابع تحركات اللاعبين.

وتلتقط التقنية نحو 100 صورة في الثانية مع تحليل ما يقارب 10 آلاف نقطة بيانات لأجسام جميع اللاعبين داخل الملعب، مما جعل قرارات التسلل أكثر دقة من أي وقت مضى لكنها أدت بالمقابل إلى إلغاء أهداف بفوارق ميليمترية أثارت الكثير من الجدل.

وتعرض قائد البرتغال كريستيانو رونالدو لضرر نتيجة لذلك بعدما ألغي هدفه في مواجهة كرواتيا بدور الـ32 بسبب تقدم كتفه بفارق بسيط للغاية عن آخر مدافع.

وفي المقابل، استفاد المنتخب البرتغالي من قرار مشابه خلال دور المجموعات بعدما ألغت تقنية الفيديو هدفًا سجله المدافع الكولومبي دافينسون سانشيز بداعي التسلل بعدما أظهرت الإعادة أن إصبع قدمه كان متقدماً بفارق ضئيل.

كما عاش منتخب إيران موقفًا مشابهًا بعدما أُلغي هدف شجاع خليل زاده أمام مصر في الوقت القاتل من مباراة دور المجموعات، وهو الهدف الذي كان سيمنح المنتخب الإيراني بطاقة التأهل إلى الأدوار الإقصائية قبل أن تؤكد تقنية الفيديو وجود حالة تسلل بفارق بسيط للغاية.

ولم يتوقف الجدل عند خطوط التسلل فقط، إذ أثارت تقنية الشريحة الإلكترونية الموجودة داخل الكرة الرسمية للبطولة اهتماماً واسعاً بعدما أصبحت تلعب دوراً في تحديد لحظة لمس الكرة من قبل اللاعبين.

وتحتوي الكرة الرسمية التي طورتها شركة أديداس على مستشعر حركة يعمل بتردد 500 مرة في الثانية، ويتيح تحديد اللحظة الدقيقة التي يلمس فيها اللاعب الكرة، مما يساعد حكام الفيديو في حسم الحالات التي يصعب تمييزها بالإعادات التلفزيونية.

وبرزت هذه التقنية خلال مباراة البرتغال وكرواتيا عندما ألغي هدف التعادل للكروات بعدما أثبتت البيانات أن الكرة لمست إيجور ماتانوفيتش قبل وصولها إلى ماريو باساليتش، لتبدأ بذلك حالة تسلل جديدة أدت إلى إلغاء الهدف.

ورغم تأكيد التكنولوجيا لصحة القرار فإن الانتقادات تواصلت إذ اعتبر كثيرون أن إلغاء الأهداف بسبب لمسات طفيفة للغاية أو فروق لا تكاد ترى يقتل متعة كرة القدم ويؤثر على انفعالات اللاعبين والجماهير.

وأعرب زلاتكو داليتش المدير الفني لمنتخب كرواتيا عن استيائه من تلك القرارات مؤكدًا أن تقنية الفيديو تساعد في بعض الحالات لكنها بالمقابل تقتل مشاعر اللعبة وتحرم الجماهير من الاحتفال الفوري بالأهداف.

وفي ظل هذا الجدل، يواصل الفرنسي أرسين فينجر رئيس تطوير كرة القدم في الاتحاد الدولي “فيفا” الترويج لمقترحه الخاص بتعديل قانون التسلل.

ويعتبر المقترح المعروف باسم قانون فينجر أو “التسلل بالضوء” أن المهاجم يكون في موقف صحيح إذا كان أي جزء من جسده على خط واحد مع آخر مدافع بدلاً من إلغاء الهدف بسبب تقدم جزء صغير من الجسم.

وبدأت التجارب العملية لهذا التعديل في الدوري الكندي الممتاز بعد موافقة الاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث يرى فينجر أن القانون الجديد سيمنح أفضلية للهجوم ويزيد من عدد الأهداف ويقلل الجدل المرتبط بالحالات الهامشية.

وكشف مسؤولو الدوري الكندي بعد إعادة تحليل مباريات كأس العالم الحالية وفق التفسير الجديد أن البطولة كانت ستشهد تسجيل 17 هدفاً إضافياً لو تم تطبيق قانون التسلل بالضوء.

ورغم ذلك فإن أي تعديل رسمي للقانون لن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد انتهاء التجارب واعتمادها من مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم “IFAB” الذي يمتلك وحده صلاحية تعديل قوانين اللعبة.