عندما رفع مدرب المنتخب المصري حسام حسن علم فلسطين في قلب ملعب “دالاس كاوبويز” بأرلينغتون (تكساس) بعد الفوز على أستراليا، خلق لحظة رمزية تتجاوز كرة القدم إلى آفاق أوسع تتعلق بالانتماء والهوية، وتعكس شعورًا عامًا حيال القضية الفلسطينية، كما وصفته النخبة الفكرية وتفاعل معه عموم الناس بشكل تلقائي.
هذا الموقف الذي أثار غضب إسرائيل يطرح سؤالًا أعمق: هل كان المدرب الأوروبي سيتخذ هذه الخطوة لو كان يقود مصر في هذه المباراة؟
ربما يكون المدرب الغربي الوحيد الذي أبدى تعاطفه مع الشعب الفلسطيني هو الإسباني بيب غوارديولا، المدرب السابق لفريق مانشستر سيتي. لكن هل كان سيفعل ذلك بالطريقة التي قام بها حسام حسن، أم كان سيكتفي بتصريحات على وسائل التواصل الاجتماعي تعبر عن موقفه؟
هذه الأسئلة تفتح المجال أمام تساؤلات أخرى حول علاقة المدرب الوطني بقضايا بلاده وكيف يمكنه توظيف الانتصارات في المباريات لخدمة هذه القضايا، وكيف يعبر عن جزء من الهوية الوطنية وما الرمزية التي يمثلها هو والفريق في هذا السياق.
في الوقت الذي اختارت فيه إنجلترا، موطن كرة القدم الحديثة، أن يكون مدرب منتخبها الألماني توماس توخيل، للمرة الأولى في التاريخ، وأسندت البرازيل، أكثر الدول فوزًا بكأس العالم، مهمة تدريب منتخبها إلى الإيطالي كارلو أنشيلوتي، ارتفعت أصوات تنادي في بعض البلدان بضرورة منح الفرصة لمدرب محلي لتدريب منتخبهم وفق الحكمة القائلة: “النائحة الثكلى ليست كالمستأجرة” أو “أهل مكة أدرى بشعابها” أو حتى من منطلق توفير النفقات كما يقول مثل مصري شائع: “ما يحتاجه البيت يُحرم على الجامع”.
المدرب الوطني عادة ما يكون أكثر رغبة في تحقيق النصر؛ لأنه لا يعتبر ذلك مجرد مجد شخصي بل هو إنجاز لبلاده. فهو ليس مجرد موظف يؤدي عمله بإخلاص بل قائد يتجمع حوله اللاعبون ويضع مشاعر الشعب الذي يمثله الفريق نصب عينيه.
لكن المسألة تتجاوز مجرد الإشارة إلى هذه الحكم السائدة. يبحث البعض عن جدوى وأفكار أخرى تتجاوز اللعبة نفسها وتتماشى مع مسارات فكرية أو أيديولوجية تحمل تصورات سياسية واقتصادية وثقافية ونفسية وتاريخية ترى في المدرب الوطني تعبيرًا رمزيًا عن الهوية أو النموذج التنموي الخاص أو التحديث ومدى ثقة الأمم في إسناد تسيير أمورها إلى أكفاء من أبناء جلدتها.
تجد كرة القدم نفسها هنا في قلب سرديات كبرى لا تقف عند حدود اللعبة. مثل مفهوم “التنمية الذاتية” التي وجد لها أنصار بين قادة حركات التحرر الوطني وأتباع مدرسة انتقاد التبعية والناظرين إلى مسارات ما بعد الاستعمار في الفكر والأدب والسياسة وأولئك الذين يدعون دوماً إلى ضرورة استقلال القرار الوطني.
السردية الأكثر بروزا وتأثيرا هي أن العديد من المنتخبات أصبحت تعكس التركيبة السكانية الجديدة لدول عاشت عقودا من الزمن منغلقة على سكانها الأصليين. ففي دورات كأس العالم السابقة على تسعينيات القرن العشرين كانت المنتخبات الأوروبية خالية تقريبًا من لاعبين من أصول دول أخرى. لكننا الآن نرى منتخبات استقطبت لاعبين موهوبين من مختلف الجنسيات. حتى أن رئيس الجمعية الوطنية السنغالية عثمان سونكو قال قبل مباراة السنغال وفرنسا: “أيا كان الفائز فهو انتصار لكل أفريقيا”.
تتواجه رؤيتان لتحليل هذا الوضع. الأولى مفرطة في التأويل حيث ينظر أصحابها إلى الظاهرة على أنها امتداد لما جرى في الماضي حين كانت الدول الأوروبية تجلب جزءاً كبيراً من قوتها المادية من مستعمراتها. أما الثانية فتعتبر أن هذه المنتخبات المختلطة تعكس قدرة المجتمعات الأوروبية على إعلاء القيم الإنسانية ومواجهة الأيديولوجيات العنصرية ورفع مبدأ الاستحقاق والجدارة والقدرة على استيعاب الثقافات المختلفة وتجديد التركيبة السكانية لمجتمعات كانت تعاني من شيخوخة مزمنة.
جاء حسام وسط تحديات كبيرة أولها الشكوك حول قدراته الفنية واتهامه بالتحيز والانفعالية مما جعل الكثيرين يتوقعون إخفاقه. لكنه حتى الآن قد خذل هؤلاء وتقدم بالفريق المصري نحو إنجاز غير مسبوق.
هاتان الرؤيتان تختلفان مع رؤية ثالثة ترى المنتخب الوطني- خصوصا لكرة القدم- كونه “راية قومية” ومن هنا فإن الأولى بتدريبه مدرب محلي ليصبح وجوده فرصة لإضفاء معنى رمزي.
بعض التعليقات من جمهور كرة القدم ومحلليها قد تذهب إلى اعتبار هذا المسلك تمرداً لدول.

