كسب ود الرعاة وجنى المزيد من الأرباح وراء التحيز التحكيمي للكبار.

منتخب مصر ضحية الإصرار على إبقاء ميسي حتى نهائي المونديال
.

شعارات واهية رفعها الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” برئاسة جياني إنفانتينو ومن قبله، بأن الرياضة لا علاقة لها بالسياسة، وأن ملاعب كرة القدم مخصصة للمنافسة الشريفة فقط، ولكن كل ذلك يبدو مجرد شعارات يمكن محوها عندما تتعارض مصالح الدول العظمى مع كرة القدم.

لقد ارتبطت كرة القدم بالسياسة بشكل وثيق تاريخيًا، إذ لم تكن مجرد لعبة رياضية، بل تحولت إلى ساحة للتعبير عن الهوية، وأداة للدعاية السياسية، ومتنفسًا للتعبير عن الغضب الشعبي.

لطالما استخدمت الأنظمة والدول العظمى الملاعب لتلميع صورتها، كما حدث في المونديال الحالي عندما تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لدى رئيس الفيفا جياني إنفانتينو لإلغاء عقوبة الإيقاف على مهاجم المنتخب الأمريكي “فولارين بالوجون” مما أثار موجة غضب واسعة واتهامات بتسييس كأس العالم.

كما أثار جياني إنفانتينو جدلًا واسعًا بعد تصريحاته عقب فوز الأرجنتين على الرأس الأخضر في كأس العالم، حيث قال إنه “عانى” مع الفريق الأرجنتيني. اعتبر الكثيرون هذا التصريح واحتفاله انحيازًا صريحًا يتعارض مع حياده المفترض كرئيس للفيفا، وذلك من أجل كسب ود الرعاة واستمرار المنتخبات الكبرى في جني مزيد من الأرباح.

وفي مونديال 2026، تتجلى فكرة عدم احتمال رؤية دولة عربية تنافس على اللقب، وهو ما ظهر من خلال التحيز التحكيمي لصالح المنتخب الأرجنتيني في مواجهة منتخب مصر، والظلم الذي وقع على الفراعنة والذي أدى إلى حرمانهم من التأهل إلى ربع النهائي بسبب التحكيم.

جدل حول حدود العلاقة بين الرياضة والسياسة.

لم تكن بطولة كأس العالم لكرة القدم منذ انطلاقها عام 1930 مجرد منافسة رياضية تجمع أفضل منتخبات العالم فحسب؛ بل تحولت على مدار العقود إلى ساحة تتقاطع فيها السياسة مع الرياضة وتتداخل فيها المصالح الدولية مع المشاعر الوطنية.

ورغم أن لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تؤكد باستمرار ضرورة الفصل بين السياسة وكرة القدم، فإن الواقع يكشف أن المونديال كان ولا يزال مسرحًا للعديد من الصراعات السياسية سواء عبر المقاطعات أو الدعاية أو الاحتجاجات أو حتى التوترات الدبلوماسية بين الدول المشاركة.

ومع كل نسخة جديدة من البطولة، يعود الجدل حول حدود العلاقة بين الرياضة والسياسة ومدى خطورة توظيف الحدث الرياضي الأكبر في العالم لخدمة أجندات سياسية قد تقوض رسالته الأساسية القائمة على التقارب بين الشعوب.

أمثلة تاريخية.

من أشهر الأمثلة التاريخية على استغلال الرياضة في السياسة ما حدث في بطولة كأس العالم 1934 في إيطاليا حيث استخدمها النظام الفاشي وزعيمه بينيتو موسوليني للترويج لقوته. كما شهدت البطولة في نسخ أخرى شبهات تدخل سياسي.

في مونديال 1966، أدى احتجاج أفريقيا إلى غياب جميع المنتخبات الأفريقية. ففي ذلك العام خُصصت عشرة مقاعد لأوروبا وأربعة لأمريكا الجنوبية ومقعد واحد لأمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي. بينما خُصص المقعد المتبقي للتنافس بين منتخبات أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا مما أثار اعتراضات واسعة داخل الأوساط الرياضية الإفريقية التي اعتبرته انتقاصًا من مكانة القارة في ضوء تطورها الكروي.

وازداد ترمومتر التوتر بسبب قضية جنوب إفريقيا التي استبعدها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم من عضويته عام 1958 بسبب نظام الفصل العنصري. لكن الاتحاد الدولي أعاد قبولها عام 1963 وأدرجها في مسار التصفيات الآسيوية بدلًا من التصفيات الإفريقية.

إزاء هذا الوضع أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم رفضه لنظام التأهل الذي أقره الاتحاد الدولي وطالب بتخصيص مقعد مباشر للقارة السمراء في نهائيات كأس العالم. لكن تجاهل الاتحاد الدولي لهذه المطالب دفع الاتحادات الوطنية الإفريقية الأعضاء إلى الانسحاب جماعيًا من تصفيات كأس العالم 1966.

ومن أمثلة التدخل أيضًا ما جرى في مونديال 1974 حيث شهدت تشيلي انقلابًا عسكريًا عام 1973 بدعم من الولايات المتحدة ضمن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وبقيادة الجنرال بينوشيه ضد الرئيس المدني سلفادور أليندي.

وشهد ستاد سنتياجو الوطني انتهاكات واسعة ضد المعارضين اليساريين بما فيها عمليات احتجاز وتعذيب معتقلين سياسيين قبل أسابيع من المباراة مما دفع السوفييت إلى رفض خوض مباراة المونديال احتجاجًا على تلك الأحداث. وبالتالي دخل لاعبو تشيلي الملعب وحدهم وسجّل قائدهم فرانسيسكو فالديز “تشاماكو” هدفًا في مرمى خالٍ قبل أن تُلغى المباراة رسميًا مُعلنة تأهل تشيلي بهذا “الفوز” دون أي منافسة حقيقية.

ويبقى التدخل الأكثر فجورًا هو ما فعله هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأشهر لدعم الانقلاب العسكري في الأرجنتين ضد حكومة إيزابيلا زوجة الرئيس السابق بيرون عام 1976 لتحسين صورة الانقلاب وتلميعه أمام دول العالم رغم الاغتيالات والمذابح والاختفاء القسري لليساريين المعارضين فيما عُرف بإرهاب الدولة تحت الحكم العسكري بقيادة الجنرال جورجي فيديلا.

استغل كيسنجر كل الأوراق السياسية والنفوذ الأمريكي لتنظيم الأرجنتين لكأس العالم بل والفوز بها وهو ما كشفت عنه الوثائق الأمريكية لاحقًا إذ لم يجد الثعلب كيسنجر أفضل من كرة القدم لتجميل صورة الدكتاتورية التي تدعمها واشنطن.

وفي عام 1982 أجمعت أوروبا والدول المتقدمة على منح إسبانيا تنظيم كأس العالم عقب وفاة الجنرال فرانكو عام 1975 وتولى خوان كارلوس ملك إسبانيا منصبه وفق القانون والموافقة على الدستور الإسباني الجديد عام 1978 والانتقال للديمقراطية وتحويل الكثير من سلطات الدولة إلى السلطات الإقليمية.. وأقيمت كأس العالم رغم المحاولات الانقلابية المستمرة للمتمردين والأوضاع السياسية غير المستقرة لدعم الديمقراطية الجديدة في إسبانيا.

وكانت كأس العالم الماضية “قطر 2022” والتي أقيمت لأول مرة في بلد عربي وما أثير حولها من جدل تداخل السياسة بالكرة وسقوط أقنعة كثيرة غربية تشدقت بحقوق الإنسان واحترام الآخر وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والإخاء الإنساني لهجوم غير مبرر ضد قطر التي قدمت أفضل نسخة تنظيمية لكأس العالم حتى الآن.

مونديال 2026.. عودة الجدل.

رغم أن نسخة 2026 شهدت مستويات فنية مرتفعة فإنها لم تكن بعيدة عن الجدل السياسي حيث أعادت التوترات الدولية والخلافات الجيوسياسية والتغطيات الإعلامية ذات الخلفيات السياسية النقاش القديم حول مدى قدرة كرة القدم على البقاء بعيدة عن الصراعات الدولية.

وفي بعض المباريات تجاوزت النقاشات الإعلامية الجوانب الفنية لتتناول العلاقات بين الدول والسياسات الخارجية والرمزية التي تمثلها بعض المواجهات الكروية.