لم يعد نجاح بطولة كأس العالم يُقاس فقط بما يقدمه اللاعبون داخل المستطيل الأخضر، بل بما يحدث خلف الكواليس أيضًا؛ حيث تعمل آلاف الأيدي لإدارة الحدث الرياضي الأكبر في العالم. ومن بين تلك الأيدي، برزت المرأة بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من أدوار تقليدية ارتبطت لعقود بالاستقبال والبروتوكول، إلى مواقع قيادية داخل غرف العمليات، وإدارة المتطوعين، والإعلام، والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى أعلى المناصب التنفيذية في الاتحاد الدولي لكرة القدم.

هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة استراتيجية تبناها “فيفا” واللجان المنظمة للبطولات، استهدفت توسيع مشاركة المرأة في مختلف مستويات التنظيم، باعتبار التنوع عنصرًا أساسيًا في نجاح الأحداث الرياضية الكبرى.

من أدوار تقليدية إلى مواقع القرار

في النسخ الأولى من كأس العالم، كانت مشاركة النساء في التنظيم محدودة للغاية وغالبًا ما اقتصرت على الاستقبال أو الخدمات الإدارية. لكن مع تطور صناعة الرياضة وتحول المونديال إلى مشروع عالمي معقد يضم عشرات الآلاف من العاملين والمتطوعين، تغيرت طبيعة المشاركة النسائية.

فأصبحت المرأة تشرف على ملفات تشغيل الملاعب، وإدارة مراكز الإعلام، والتنسيق مع المنتخبات والنقل وإدارة الحشود وخدمات الجماهير والتكنولوجيا. إضافة إلى قيادة فرق كاملة مسؤولة عن تنفيذ العمليات اليومية للبطولة.

ويؤكد الاتحاد الدولي لكرة القدم في تقاريره الخاصة ببطولة قطر 2022 أن نجاح البطولة اعتمد على منظومة تشغيلية ضخمة كان التنوع فيها أحد عوامل النجاح الرئيسية سواء على مستوى الموظفين أو المتطوعين.

مونديال قطر.. المرأة في قلب الحدث

مثّل كأس العالم قطر 2022 محطة فارقة في تاريخ تنظيم البطولة داخل المنطقة العربية. ليس فقط بسبب استضافة أول مونديال في الشرق الأوسط وإنما أيضًا بسبب اتساع حضور النساء في مختلف فرق العمل.

واعتمدت اللجنة العليا للمشاريع والإرث بالتعاون مع “فيفا” على نحو 20 ألف متطوع تم اختيارهم من أكثر من 420 ألف متقدم من حوالي 150 دولة للعمل في أكثر من 30 مجالًا مختلفًا داخل البطولة منها الإعلام وخدمات المنتخبات وإدارة الجماهير والنقل والتشغيل وخدمة كبار الزوار والمطارات ومراكز البث.

ولم تكن النساء مجرد جزء من فرق التطوع بل تولين أيضًا مسؤولية إدارة بعض أهم الملفات التنظيمية.

ومن أبرز النماذج راشا القرني مديرة القوى العاملة والإدارة في اللجنة المنظمة التي أشرفت على برنامج المتطوعين أحد أكبر البرامج التشغيلية في تاريخ كأس العالم مؤكدة أن الهدف لم يكن فقط إنجاح البطولة بل بناء إرث تطوعي تستفيد منه المنطقة بعد انتهاء الحدث.

فاطمة سامورا.. المرأة التي أدارت أكبر بطولة في العالم

ربما يمثل اسم فاطمة سامورا التحول الأكبر في حضور المرأة داخل كأس العالم. ففي عام 2016 أصبحت أول امرأة تتولى منصب الأمين العام للاتحاد الدولي لكرة القدم وهو أعلى منصب تنفيذي داخل “فيفا” لتصبح لاحقًا أحد أبرز المسؤولين عن التنسيق بين الاتحاد الدولي واللجان المنظمة خلال مونديالي روسيا 2018 وقطر 2022.

ولم يقتصر دور سامورا على الجوانب الإدارية بل كانت جزءًا من إدارة الملفات المتعلقة بالتشغيل والاستدامة والتنسيق المؤسسي والخدمات المقدمة للمنتخبات والجماهير مما يعكس بوضوح أن المرأة أصبحت شريكًا في صناعة القرار داخل أكبر مؤسسة كروية في العالم.

البطولة لا تُدار من الملعب فقط

قد لا يشاهد الجمهور ما يحدث خلف الكواليس لكن تنظيم كأس العالم يعتمد على منظومة معقدة تعمل على مدار الساعة. فداخل كل ملعب توجد فرق مسؤولة عن:.

  • تشغيل المباريات
  • تنسيق دخول الجماهير
  • إدارة الإعلاميين
  • خدمات المنتخبات
  • الأمن التشغيلي
  • النقل
  • التكنولوجيا
  • إدارة المتطوعين
  • bالبروتوكول

وفي جميع هذه القطاعات أصبحت مشاركة النساء مشهدًا معتادًا بعدما كانت استثناءً قبل سنوات قليلة.

لماذا توسعت أدوار المرأة؟

يرى خبراء إدارة الفعاليات الرياضية أن السبب لا يتعلق فقط بتحقيق المساواة وإنما لأن البطولات الحديثة تحتاج إلى كوادر تمتلك مهارات الإدارة والتخطيط والاتصال والعمل تحت الضغط وهي معايير لا ترتبط بنوع الجنس بقدر ما ترتبط بالكفاءة.

كما أن “فيفا” تبنى خلال السنوات الأخيرة سياسات واضحة لتعزيز التنوع داخل مؤسساته وبطولاته باعتبار أن وجود فرق عمل متنوعة يسهم في تحسين الأداء وجودة اتخاذ القرار.

مونديال 2026.. مسؤوليات أكبر

مع استضافة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لأول نسخة من كأس العالم بمشاركة 48 منتخبًا يتوقع أن يكون الحدث الأكبر في تاريخ البطولة من حيث عدد المباريات والملاعب والقوى العاملة المطلوبة. ويعني ذلك اتساع الحاجة إلى آلاف الكفاءات في مجالات التنظيم والإدارة وهو ما يرجح استمرار زيادة مشاركة النساء في مختلف المستويات التنظيمية سواء داخل اللجان المحلية أو فرق “فيفا” التنفيذية.

لم تعد خلف الكواليس فقط

تكشف تجربة كأس العالم خلال العقد الأخير عن تغير واضح في صورة المرأة داخل أكبر بطولة رياضية في العالم. فمن متطوعة تستقبل الجماهير أو تساعد الإعلاميين إلى مديرة برنامج يضم عشرات الآلاف من المتطوعين أو مسؤولة تنفيذية تقود ملفات تشغيل البطولة داخل “فيفا” أصبحت المرأة جزءًا من منظومة اتخاذ القرار وليس مجرد عنصر مساعد.