Published On 21/7/2026.
قبل أسابيع قليلة، كانت مباريات كأس العالم تفرض إيقاعها على حياة ملايين المشجعين حول العالم. يبدأ اليوم بمتابعة الأخبار الرياضية، ويمضي في ترقب المواجهة التالية، بينما تتحول الأمسيات إلى تجمعات أمام الشاشات لمشاهدة المباريات ومناقشة نتائجها. ولكن مع إطلاق صافرة النهاية الأخيرة، ينتهي هذا الإيقاع فجأة، ليجد بعض المشجعين أنفسهم أمام شعور غير مألوف بالفراغ وتراجع الحماس.
يتكرر مع نهاية كل بطولة كبرى تعبير “اكتئاب ما بعد كأس العالم” على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه ليس تشخيصًا طبيًا معترفًا به رسميًا. ومع ذلك، يؤكد علماء النفس أن الشعور بالحزن أو الفراغ بعد حدث استثنائي هو تجربة إنسانية موثقة، تشبه ما يعرف بـ”الحزن بعد الحدث الكبير” (Post-event letdown)، أو ما يصفه الباحثون في مجال الرياضة بـ”حالة ما بعد الأولمبياد”.
وتشير دراسة استكشافية أجريت على رياضيين دنماركيين شاركوا في أولمبياد طوكيو إلى أن ما يُعرف بـ”كآبة ما بعد الأولمبياد” (Post-Olympic Blues) لا يُعد تشخيصًا نفسيًا مستقلاً، بل يصف مجموعة من المشاعر السلبية التي قد ترافق انتهاء حدث استثنائي استغرق الإعداد له سنوات. تشمل هذه المشاعر انخفاض الشعور بالرفاه النفسي والقلق وتراجع الدافعية لدى بعض المشاركين. ورغم أن الدراسة ركزت على الرياضيين وليس المشجعين، فإن نتائجها تشير إلى أن الانتقال المفاجئ من فترة اتسمت بالإثارة والانخراط إلى الحياة اليومية المعتادة قد يرافقه شعور مؤقت بالهبوط النفسي.
يشدد المختصون على ضرورة التفريق بين انخفاض المزاج المؤقت والاكتئاب السريري الفعلي. فالاكتئاب هو مرض نفسي له معايير تشخيصية واضحة، يستمر لمدة أسبوعين على الأقل ويؤثر بشكل جدي في قدرة الشخص على العمل أو الدراسة أو ممارسة حياته اليومية. أما الشعور بالفراغ بعد بطولة رياضية فهو غالبًا استجابة عابرة لانتهاء فترة اتسمت بانخراط عاطفي كبير.
لا ترتبط قوة هذه المشاعر بنتائج المباريات وحدها، وإنما أيضًا بمدى ارتباط المشجع بفريقه أو منتخبه. فقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة ليدز البريطانية حول مشجعي كأس العالم 2018 أن مستوى رضا المشجعين وسعادتهم تأثر بالفارق بين توقعاتهم والأداء الفعلي لمنتخبهم؛ فكلما كان ارتباطهم العاطفي بالمنتخب أقوى، كان تأثير النتائج في حالتهم النفسية أكبر، سواء بالارتفاع بعد الانتصارات أو بالتراجع بعد الإخفاقات.
وتنسجم هذه النتائج مع “نظرية الهوية الاجتماعية” التي تفترض أن انتماء الفرد إلى مجموعة مثل فريق رياضي أو منتخب وطني يمنحه شعورًا بالهوية والانتماء. وخلال البطولات الكبرى، يزداد هذا الإحساس قوة إذ يعيش ملايين المشجعين التجربة نفسها في الوقت نفسه ويتشاركون مشاعر الترقب والفرح وخيبة الأمل مما يعزز ارتباطهم العاطفي بالحدث ونتائجه.
قد يظن البعض أن سبب الحزن هو غياب كرة القدم فقط، لكن علماء النفس يرون أن ما يُفتقد أيضًا هو الروتين الذي صنعته البطولة: هدف يومي واضح ومباراة منتظرة ونقاشات مع الأصدقاء ومتابعة التحليلات والإحصاءات. وحين ينتهي هذا الإيقاع دفعة واحدة يعود الشخص إلى حياته المعتادة مما يجعله يبدو أكثر هدوءً مقارنة بالشهر السابق حتى وإن لم يتغير شيء فعليًا في حياته.
ورغم عدم وجود دراسات تثبت أن الرجال أكثر عرضة بيولوجيًا لهذه الحالة، فإن كرة القدم تمثل بالنسبة لكثير منهم أكثر من مجرد رياضة؛ فهي مناسبة منتظمة للتواصل الاجتماعي. فتجمعات مشاهدة المباريات والنقاشات اليومية والمنافسة الودية بين المشجعين تمنح شعورًا بالترابط والانتماء قد لا يتكرر بنفس الوتيرة خلال بقية العام. لذلك فإن الشعور بالفراغ بعد انتهاء البطولة لا يرتبط بغياب المباريات فقط بل أيضًا بانتهاء الطقوس والعلاقات الاجتماعية التي نسجتها.
وينصح خبراء الصحة النفسية بـ:.
- إدراك أن الشعور مؤقت وطبيعي وليس مؤشراً على مشكلة نفسية أعمق.
- العودة التدريجية إلى الروتين اليومي بدل الانقطاع المفاجئ عن كل ما ارتبط بالمنافسات.
- الانخراط في هوايات أو أهداف جديدة لتعويض حالة الترقب اليومي التي كانت توفرها البطولة.
- الحفاظ على الأنشطة الاجتماعية التي تشكلت خلال البطولة مثل لقاء الأصدقاء أو ممارسة الرياضة معاً.
تكشف هذه الظاهرة أن تأثير الأحداث الجماعية الكبرى يمتد إلى ما هو أبعد من الرياضة نفسها. فكأس العالم لا يقتصر على تقديم مباريات مثيرة بل يصنع إيقاعاً يومياً ويعزز الشعور بالانتماء ويوفر تجربة مشتركة يتقاسمها ملايين الأشخاص حول العالم. وعندما تنتهي هذه التجربة قد يشعر بعض المشجعين بفراغ مؤقت ليس لأن حياتهم أصبحت أسوأ بل لأنهم ينتقلون فجأة من أسابيع حافلة بالإثارة والتواصل إلى إيقاع الحياة المعتاد.
ولهذا يفضل علماء النفس تجنب وصف هذه الحالة بـ”مرض نفسي” والنظر إليها باعتبارها مرحلة عابرة من انخفاض المزاج تعقب أي حدث استثنائي كبير بدءًا من البطولات الرياضية وصولاً إلى الأعياد والإجازات قبل أن يستعيد الإنسان إيقاع حياته المعتاد.

