ربما لم يتوقع كثيرون قبل بطولة كأس العالم 2026 أن يصمد فريق الرأس الأخضر أمام دول عريقة في كرة القدم، وأن ينجح في تجاوز دور المجموعات، ويقدم أداءً كروياً رفيع المستوى.
هذا الأداء لفت الأنظار لهذه الجزيرة الصغيرة الواقعة أمام سواحل غرب أفريقيا، والتي يبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة.
استطاع الرأس الأخضر، أو “كاب فيردي” بالبرتغالية، أن ينهي مباراته مع إسبانيا، بطلة أوروبا، بالتعادل بلا أهداف، كما تعادل مع أوروغواي والسعودية، مما أتاح له التقدم إلى دور الـ 32 ليصبح أصغر دولة في العالم تصل للأدوار الإقصائية في المونديال.
أجبر الرأس الأخضر ليونيل ميسي ورفاقه من نجوم الأرجنتين على اللعب وقتاً إضافياً لتحديد نتيجة المباراة التي انتهت بثلاثة أهداف مقابل هدفين بعد 120 دقيقة.
مقارنات مذهلة
لعل المقارنة بين تاريخ البلدين في كرة القدم تُبرز حجم الإنجاز الذي حققه فريق الرأس الأخضر:.
- عندما شاركت الأرجنتين في كأس العالم عام 1930، كان الرأس الأخضر لا يزال مستعمرة برتغالية.
- عندما قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عضوية اتحاد الرأس الأخضر به عام 1986، كانت الأرجنتين قد فازت بكأس العالم للمرة الثانية.
- بينما فازت الأرجنتين بكأس العالم ثلاث مرات، شارك الرأس الأخضر للمرة الأولى في بطولة عام 2026 ليصبح ثاني أصغر دولة تشارك في كأس العالم بعد آيسلندا التي شاركت في مونديال روسيا عام 2018.
أصبحت إنجازات فريق الرأس الأخضر مصدر فخر لأبناء الجزيرة أنفسهم. حيث نقلت صحيفة الغارديان عن جانيس، إحدى مواطنات الجزيرة قولها: “قبل كأس العالم، لم تكن ترى علمنا إلا في القصر الرئاسي أو على بعض المباني العامة. أما الآن، فالجميع يرفعه بفخر على المنازل والسيارات”.
الشاطئ هو العاصمة
يعكس الاسم الذي تحمله عاصمة الرأس الأخضر “برايا”، والتي تعني باللغة البرتغالية “الشاطئ” طبيعتها الساحلية. إذ تحظى العاصمة بشواطئ جميلة ممتدة على سواحل الأطلسي، وهو ما لفت أنظار المستعمرين البرتغاليين لها. وظلت مركزاً تجارياً هاماً للتجارة بين أوروبا والأمريكتين بما في ذلك تجارة العبيد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
تضم الرأس الأخضر 10 جزر، أشهرها سانتياغو التي تقع العاصمة “برايا” بها. وتبعد الجزر نحو 500 كيلومتر عن ساحل غرب أفريقيا. اللغة الرسمية هي البرتغالية بالإضافة إلى لغات محلية منتشرة بين الجزر.
لا تزال شواطئ الرأس الأخضر هي أهم مواردها الاقتصادية إذ تمثل السياحة وما يرتبط بها من خدمات النشاط الرئيسي لأغلبية السكان.
وفق بيانات البنك الدولي فإن الناتج المحلي الإجمالي للرأس الأخضر بلغ نحو 3 مليارات دولار عام 2025. بينما بلغ متوسط دخل الفرد نحو 5800 دولار سنوياً وبلغت نسبة التضخم السنوية نحو 2.3%.
توقعات متفائلة بشأن النمو
يشير البنك الدولي إلى أن نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في الرأس الأخضر لا تتجاوز 10% من مساحة البلاد كما أن الموارد المعدنية قليلة. لكن التوسع في قطاع السياحة ساعد على زيادة نمو اقتصاد الرأس الأخضر حيث يساهم القطاع بنحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي وفق البنك الدولي.
يشيد البنك الدولي بالاستقرار السياسي في الرأس الأخضر حيث شهدت انتقالاً سلمياً للسلطة بين حزبيها السياسيين الرئيسيين منذ استقلالها عن البرتغال وتحولها إلى جمهورية عام 1975.
يتوقع بنك التنمية الأفريقي أن يحقق الرأس الأخضر نمواً بنسبة 4.7% في عام 2026 و5% في عام 2027 مشيراً إلى أن استمرار الطلب على الخدمات السياحية والاستثمار في البنية التحتية سيساهمان في دفع النمو الاقتصادي.
لكن جمهورية الرأس الأخضر تعاني مثل كثير من الدول الأفريقية من عجز مزمن في موازنة الدولة خاصة مع قلة الموارد المتاحة للحكومة من الضرائب إذ يغلب على الاقتصاد النشاط غير الرسمي أي الأنشطة غير المسجلة رسمياً ولا تدفع الضرائب.
يوضح بنك التنمية الأفريقي أن نحو 60% من الأنشطة الاقتصادية في الرأس الأخضر مثل المطاعم والمقاهي والمتاجر الصغيرة لا تساهم في الإيرادات المالية الرسمية للدولة. ويطالب البنك الأفريقي حكومة الرأس الأخضر بإصلاحات شاملة لإدارة المالية العامة حتى تتمكن من توفير التمويل اللازم للتنمية وبشكل خاص إصلاح نظام الضرائب وتطوير الأسواق المالية وربطها بالسوق العالمي.
وضع مختلف بعد المونديال
يرى مواطنو الرأس الأخضر أن وضع بلادهم سيكون أفضل بعد النجاح الذي حققه فريقهم في كأس العالم وفق ما ذكرته الغارديان وسط توقعات بنشاط سياحي أوسع بعد المونديال.
نقلت الغارديان عن آنابيل ليزاردو وهي معلمة تعمل في مدينة “مينديلو” ثاني أكبر مدن البلاد قولها: “لم يكن أحد يعرف أين تقع الرأس الأخضر أما الآن فقد أصبح لدى الناس فضول لزيارة الرأس الأخضر والتعرف على ثقافتها ومعرفة كيف يمكن لدولة صغيرة أن يكون لها هذا التأثير”.
تشير الغارديان أيضاً إلى أن للرأس الأخضر دوري محلي صغير لغير المحترفين ولكن لديها اتحاد ناجح لكرة القدم يساعد اللاعبين الموهوبين على اللعب بأندية البرتغال ويستعين باللاعبين المهاجرين لتكوين الفريق الوطني للبلاد.
يبدو أن سياسة اتحاد كرة القدم قد نجحت على عدة مسارات فقد وضعت فريق كرة القدم على خريطة الكرة العالمية ورفعت الروح المعنوية للمواطنين ومنحت آفاقاً أوسع لنمو اقتصاد البلاد بعد أن عززت المشاركة الناجحة للفريق في المونديال مكانة الرأس الأخضر على خريطة السياحة العالمية.

