لا يُعرف لويس دي لا فوينتي، المدرب البالغ من العمر 65 عامًا، بالمبالغة أو إطلاق التصريحات الرنانة، فهو يتمتع بطبع هادئ وحسن المعشر. بينما كانت إسبانيا بحاجة إلى لمسة سحر جديدة في أجواء ملعب لوس أنجليس الشبيه بالبيت الزجاجي، دفع مدرب “لا روخا” بورقته الرابحة.
بعد دقيقتين فقط، عاد ميكيل ميرينو ليؤدي دور البطل في اللحظات الأخيرة، مستغلاً حيويته بعد دخوله بديلاً ليمنح منتخب بلاده الفوز ويضع حداً لمقاومة بلجيكا الصلبة. لكن الاعتقاد بأن دي لا فوينتي ألقى على لاعب الوسط كلمات ملهمة قبل نزوله سيكون بعيداً عن الحقيقة.
وقال ميرينو عقب تسجيله هدف الفوز في الدقيقة الـ88 من مباراة ربع النهائي يوم الجمعة الماضية التي شهدها ابنه ماركو البالغ من العمر شهرين: “في الحقيقة هو لم يقل لي الكثير. أخبرني بشيء يتعلق باللعب في المركز 10، وبعد نهاية المباراة قال لي إنني كنت مذهلاً، وهذان هما التعليقان الوحيدان اللذان وجههما إلي”.
بات ميرينو معتاداً على التسجيل في أكثر اللحظات حساسية مع منتخب إسبانيا، فقد أحرز هدف الفوز في ربع نهائي بطولة أوروبا 2024 أمام ألمانيا. وبعد عام، سجل أيضاً في الانتصار المثير (5 – 4) على فرنسا في دوري الأمم الأوروبية، وبالطبع أحرز هدف الفوز أمام البرتغال الإثنين الماضي.
يعكس ذلك العمق الهائل الذي تتمتع به إسبانيا في خط الوسط، إذ شارك رودري وفابيان رويز وداني أولمو وبيدري جميعهم قبل إشراك ميرينو أمس، مما يجعل لاعب أرسنال يتقبل دوره في الفريق دون أي تذمر.
لكن إسبانيا كما أقر نجمها لامين يامال، الذي لم يبلغ بعد قمة مستواه رغم اللمحات المبهرة التي قدمها، لم تكن في أفضل حالاتها في إنغلوود.
قال يامال الذي يتم سنته الـ19 بعد غد الإثنين: “لم نقدم مباراة جيدة، لكننا كنا نداً لهم وصمدنا بصورة جيدة. أعتقد أنه لو احتفظنا بالكرة بصورة أفضل لكنا صنعنا فرصاً أكثر وأصبحنا أكثر خطورة”.
والآن تتجه الأنظار إلى مواجهة نصف النهائي الثلاثاء المقبل أمام فرنسا في ملعب دالاس المكيف الذي يتسع لـ90 ألف متفرج. يُنظر إلى المنتخبين على نطاق واسع باعتبارهما الأقوى في البطولة، لكن تتويج الأرجنتين بكأس العالم وهيمنتها على كرة القدم في أميركا الجنوبية عبر لقب كوبا أميركا 2024 أو تصفيات كأس العالم وضع هذين العملاقين في النصف ذاته من القرعة. تبدو المباراة بحجم نهائي مبكر إذ سيكون الفائز بها مرشحاً بقوة لدخول النهائي بتاريخ 19 يوليو (تموز) الجاري باعتباره الأوفر حظاً للفوز باللقب.
لكن من ناحية الزخم وبفضل القوة الهجومية الكبيرة والتألق اللافت لكيليان مبابي فإن شركات المراهنات تميل إلى ترشيح فرنسا.
وأضاف يامال: “أعتقد أن الجميع كان ينتظر هذه المباراة بمجرد وصولنا إلى نصف نهائي كأس العالم. كنا متحمسين للغاية لقدومها. بالنسبة إليهما أفضل منتخبين في البطولة لكننا لا نشعر بأي خوف. وإذا كان هناك منتخب قادر على مواجهة فرنسا بثقة فهو نحن”.
تابع: “أتوقع أن يحاولوا الضغط علينا لكن ليس طوال المباراة. لا أعتقد أن هناك أي منتخب سيلعب ضدنا برقابة رجل لرجل طوال الوقت. نحن نعرف أن فرنسا تملك لاعبين أصحاب جودة كبيرة في الخطين الأمامي والخلفي ويتمتعون بقوة بدنية هائلة. سنلعب بطريقتنا المعتادة وسنسعى للاستحواذ على الكرة”.
تعثرت إسبانيا في آخر مباراتين لها بالأدوار الإقصائية بينما بدت فرنسا أكثر حسماً خصوصاً بفوزها (2 – 0) على المغرب رغم أن المنتخب المغربي لم يقدم مستواه المعتاد. لكن المواجهات الكبرى الأخيرة بين المنتخبين تمثل أحد أبرز مصادر ثقة إسبانيا.
ويبقى أبرزها مواجهة نصف نهائي بطولة أوروبا 2024 حين خطف يامال الأضواء بهدفه الصاروخي من خارج المنطقة ليصبح أصغر هداف في تاريخ البطولة القارية بعمر 16 سنة فقط. وجاء هدفه بالدقيقة الـ21 معادلاً للنتيجة قبل أن يسجل داني أولمو هدف الفوز بعد أربع دقائق. صحيح أن فرنسا تبدو هذا الصيف أكثر قوة لكنها لا تخلو من نقاط ضعف.
إذا كان الخط الأمامي الفرنسي يتفوق هجومياً فإن حيوية خط وسط إسبانيا وتنوع خياراته تمنحها أفضلية واضحة. وأثبت المنتخب الإسباني تفوقه دفاعياً إذ كان هدف بلجيكا أمس هو الأول الذي يستقبله طوال البطولة. وحتى في حراسة المرمى يبدو المنتخبان متقاربين جداً من حيث المستوى.
هناك جانب آخر قد يصب في مصلحة إسبانيا فلم يسبق سوى أربعة لاعبين من تشكيلة فرنسا المشاركة بالفوز ببطولة كبرى وهم كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي ونغولو كانتي ولوكاس هرنانديز بوصفهم آخر الباقين من تشكيلة 2018 المتوجة بكأس العالم بينما العمود الفقري لمنتخب إسبانيا كان حاضراً على منصة التتويج ببرلين قبل عامين وهذه الخبرة كثيراً ما تصنع الفارق بمباريات البطولة الكبرى.
وكان دي لا فوينتي حريصاً أيضاً على التذكير بفوز إسبانيا على فرنسا بنصف نهائي دوري الأمم الأوروبية العام الماضي قائلاً: “أنا واثق من أن فرنسا قلقة بالقدر نفسه الذي نشعر به نحن ولا تنسوا أننا هزمناهم بمباراتين متتاليتين”.
وأضاف معبراً عن رأي يتشاركه كثيرون ومن دون التقليل من شأن ما قد ينتظر الفائز بالنهائي أمام إنجلترا أو النرويج أو الأرجنتين أو سويسرا: “ستكون مباراة رائعة، نهائي قبل النهائي إنها مواجهة بين اثنين من أفضل منتخبات هذه البطولة.”.
وأردف: “نحن قادرون على الفوز بهذه المباراة وكنت سأقول الشيء نفسه قبل بضعة أسابيع لدي قناعة وثقة وإيمان كامل بالفريق وبإمكاناته لكن سنواجه أحد عمالقة كرة القدم.”.

