Published On 4/7/2026.

لم تعد كرة القدم تحسم داخل المستطيل الأخضر فقط، ففي عالم المراهنات الذي تتدفق فيه مئات المليارات من الدولارات سنوياً، قد تتحول بطاقة صفراء، أو ركلة ركنية، أو حتى تأخر حارس مرمى في استئناف اللعب إلى حدث يساوي ملايين الدولارات بالنسبة للمقامرين، مما يفتح المجال لشبكات الجريمة المنظمة للتسلل إلى أكثر الألعاب شعبية في العالم.

خلف صخب الجماهير وأضواء الملاعب وصفقات الرعاية الضخمة، يصف تقرير لقناة الجزيرة المعركة الخفية الحالية بين الاتحادات الرياضية وشبكات المراهنات، وهي معركة لم تعد تقتصر على المقامرين بل تشمل حكاماً ولاعبين ومسؤولين ورؤساء أندية، مما يطرح سؤالاً يؤرق عشاق اللعبة: هل ما يحدث داخل الملعب نتيجة منافسة رياضية حقيقية أم ثمرة صفقات أُبرمت بعيداً عن أعين الجماهير؟

وبالنسبة للنسخة الحالية من كأس العالم، توقع خبراء المراهنات أن تبلغ قيمة المراهنات القانونية عبر الإنترنت 3.1 مليار دولار، بالإضافة إلى نحو 2.37 مليار دولار عبر منصات التوقعات. كما كشفت صحيفة اقتصادية بريطانية قبل أسابيع من المباراة النهائية أن حجم الرهانات على هوية بطل العالم عبر إحدى منصات التوقعات بلغ 1.8 مليار دولار، لتصبح أكبر عملية مراهنة من نوعها على الإطلاق، ليصل إجمالي المراهنات على كأس العالم 2026 إلى نحو 7.3 مليار دولار تقريباً.

كانت إحدى أبرز محطات هذه القصة في أغسطس/آب عام 2004 عندما التقى فريق بادربورن القادم من الدرجات الأدنى مع هامبورغ أحد أندية الدوري الألماني في الدور الأول من كأس ألمانيا.

في البداية بدا كل شيء طبيعياً؛ إذ تقدم هامبورغ بهدفين خلال أول نصف ساعة واقترب من حسم المباراة قبل أن تنقلب الأحداث بصورة دراماتيكية.

احتسب الحكم الألماني روبرت هويزر ركلة جزاء أثارت جدلاً واسعاً ثم أشهر البطاقة الحمراء في وجه مهاجم هامبورغ لتتغير مجريات اللقاء وينجح بادربورن في قلب النتيجة والفوز بأربعة أهداف مقابل هدفين.

الفضيحة الكبرى.

ولم تمض فترة طويلة حتى انفجرت الفضيحة؛ فالتحقيقات كشفت أن الحكم تعمد التأثير في نتيجة المباراة لصالح شبكة مراهنات، وبعد إنكار استمر لفترة اعترف بتلقي آلاف اليوروهات من صاحب حانة رياضية في برلين مقابل التلاعب بنتائج عدد من المباريات ضمن عملية احتيال بلغت قيمتها نحو مليوني يورو (نحو 2.16 مليون دولار)، فيما حصل شخصياً على نحو سبعة وستين ألف يورو (نحو 72 ألف دولار) إضافة إلى جهاز تلفاز فاخر.

لكن هذه القضية لم تكن سوى جزء صغير من صورة أكبر بكثير؛ حيث تستحوذ كرة القدم وحدها على نحو 56% من سوق المراهنات الرياضية المنظمة في العالم وهو سوق بلغت قيمته خلال عام 2024 نحو 570 مليار دولار.

وفي أوروبا وصل حجم سوق المقامرة إلى 123.4 مليار يورو (نحو 133.3 مليار دولار) خلال العام نفسه بزيادة بلغت خمسة بالمئة مقارنة بعام 2023 بينما سجلت مراهنات الرياضة وحدها إيرادات بلغت نحو عشرين مليار يورو (نحو 21.6 مليار دولار) منها 13.7 مليار يورو (نحو 14.8 مليار دولار) عبر الإنترنت مقابل 6.4 مليارات يورو (نحو 6.9 مليارات دولار) عبر الوسائل التقليدية.

غير أن السوق القانونية لا تمثل سوى جانبٍ واحدٍ من المشهد؛ فبحسب دليل أعدته الشرطة الجنائية الدولية بالتعاون مع الاتحاد الآسيوي لسباقات الخيل فإن ما يصل إلى 80% من رهانات الرياضة والسباقات حول العالم تتم بصورة غير قانونية.

وتشير التقديرات إلى أن الأموال المتداولة في هذا السوق تتراوح بين 340 مليار دولار و1.7 تريليون دولار سنوياً فيما يغسل عبر المراهنات الرياضية نحو 140 مليار دولار كل عام أي ما يقارب عشرة بالمئة من إجمالي عائدات الجريمة المنظمة في العالم.

ورغم هذا الحجم الهائل فإن شركات المراهنات لا تعمل دائماً في الخفاء بل أصبحت جزءاً من المشهد الرياضي.

ففي الدوري الإنجليزي الممتاز تنتشر إعلانات هذه الشركات داخل الملاعب وعلى قمصان اللاعبين ووفقًا لصحيفة اقتصادية بريطانية يرتبط أحد عشر نادياً خلال موسم 2025-2026 بعقود رعاية مع شركات مراهنات أو قمار بينما تمتد هذه الشراكات إلى اللوحات الإعلانية وأكمام القمصان والإعلانات الرقمية واتفاقيات موجهة لأسواق خارج أوروبا.

ودفع هذا الانتشار رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز إلى اتخاذ قرار يقضي بمنع ظهور شعارات شركات المراهنات على واجهة قمصان المباريات ابتداءً من موسم 2026-2027 مع الإبقاء على بقية أشكال الرعاية.

أساليب مراهنة جديدة.

وفي الوقت نفسه تطورت أساليب المراهنة بصورة لافتة فلم يعد الرهان يقتصر على الفريق الفائز أو الخاسر بل أصبح يشمل أدق تفاصيل المباراة مثل عدد الركلات الركنية أو توقيت حصول لاعب على بطاقة صفراء أو ارتكاب مدافع مخالفة في دقيقة محددة أو تأخر حارس المرمى في استئناف اللعب.

وقد لا تؤثر هذه الأحداث في نتيجة المباراة لكنها قد تحقق أرباحاً ضخمة للمقامرين مما يجعل استدراج لاعب أو حكم لتنفيذها أكثر سهولة مقارنة بالتلاعب بالنتيجة النهائية.

وهكذا بدأت شبكات التلاعب تتوسع حول العالم ففي عام 2013 كشفت تحقيقات أوروبية عن شبكة ضخمة كانت تُدار من سنغافورة وتورطت في التلاعب بنحو680 مباراة بينها مباريات في التصفيات المؤهلة لكأس العالم وبطولة أمم أوروبا ودوري أبطال أوروبا.

وشملت التحقيقات نحو380 مباراة في أوروبا و300 مباراة أخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية والوسطى فيما تحدث المحققون عن رشى وصلت إلى مئة ألف يورو (نحو108 آلاف دولار) للمباراة الواحدة.

وفي إيطاليا اندلعت بين عامي2011 و2012 فضيحة جديدة شملت22 نادياً و52 لاعباً و33 مباراة وسط اتهامات لشبكة من منطقة البلقان بدفع أموال للاعبين مقابل التلاعب بالنتائج أو بعدد الأهداف.

وانتهت القضية بخصم ست نقاط من رصيد نادي أتالانتا وإيقاف قائد الفريق كريستيانو دوني لمدة ثلاث سنوات ونصف.

وامتدت التحقيقات لاحقًا إلى تركيا حيث أمر الادعاء العام في ديسمبر/كانون الأول2025 باحتجاز46 شخصًا بينهم لاعبون ورؤساء أندية ومعلقون رياضيون ضمن تحقيق واسع بشأن المراهنات.

<p وقبل ذلك أوقف الاتحاد التركي149 حكماً ومساعد حكم بعد الكشف عن تورط مسؤولين في مسابقات الدوري بالمراهنة على المباريات.

الخلاصة:.