يبدو أن سؤال “لماذا حزن العرب لخروج مصر من كأس العالم؟” قد يثير الدهشة، إذ يفترض أن يحظى منتخب عربي بدعم جماهيري واسع من جميع الدول العربية. خروج مصر من المونديال، خاصة بالطريقة التي حدثت بها، أثار مشاعر الحزن في جميع أنحاء الوطن العربي.
ليس الهدف هنا تحليل الأخطاء الفنية أو التحكيمية التي أدت إلى تغيير دراماتيكي في نتيجة مباراة كانت تبدو محسومة لصالح المنتخب المصري قبل دقائق قليلة من نهايتها. بل نسعى لفهم الأسباب التي تجعل لمباراة كرة القدم القدرة على إثارة هذا القدر الكبير من الجدل والنقاش والتعاطف بين الجماهير.
الهزائم الرياضية تختلف عن بعضها، فلا يمكن مقارنة هزيمة تعكس فوارق كبيرة في الأداء مع خسارة تخالف جميع التوقعات، حيث يتجاوز العطاء سقف الطموحات. الجماهير تتطلع دائمًا إلى تحقيق حلم جماعي يشكل جزءًا من قصص الفخر والإنجاز.
كرة القدم كصناعة اقتصادية.
لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تنافسية، بل أصبحت نظامًا اقتصاديًا يدر عوائد ضخمة ضمن أقوى الصناعات الترفيهية عالميًا. شهدت اللعبة تطورًا كبيرًا على مستوى قاعدة الجماهير وتضخم تمثلات اللاعبين والأندية، حيث تحول اللاعبون والمدربون إلى علامات تجارية رقمية تقدر بعشرات المليارات سنويًا.
كما أن اقتصاد كرة القدم والبطولات الكبرى مدعوم بمنظومة إعلامية ورقمية جاذبة تعمل على تعزيز هذه الصناعة وانتشارها. تسعى هذه المنظومة إلى تضخيم القيمة المالية للاعبين في سوق الانتقالات وتعزيز مكانتهم في الوعي العام للمجتمعات المعاصرة.
لقد أصبحت كرة القدم فضاءً لإنتاج المال والمعاني، ومسرحًا لصناعة الأمم صورها أمام نفسها عبر قياس قدراتها مقارنة بالآخرين. لذا فهي تمثل ظاهرة اقتصادية وسوسيولوجية معقدة تعكس جزءًا من ثقافة المجتمع وقيمه وتوجهاته.
إن أحد أهم المكاسب التي يمكن أن تجنيها المجتمعات العربية من المونديال هو الإيمان بالذات وقدرتها على مواجهة قوة “الآخر”، بالإضافة إلى تعزيز الشعور بالانتماء المشترك والأخوة التي تتجاوز الجغرافيا.
كرة القدم والمخيال العربي الجمعي.
في هذا الإطار، يمكن فهم العلاقة المتجددة بين كرة القدم والجماهير. فقد باتت الأحداث الرياضية فرصة لإعادة إنتاج الهويات وتجديد الروابط بين الأفراد والمجتمعات العربية، رغم الاختلافات والمسافات.
يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا تشعر الجماهير العربية بالحزن والأسى لخروج المنتخب المصري؟ ماذا تمثل مصر رمزيًا للمخيال الجمعي العربي؟ لقد كان اللاعبون والجماهير جزءًا من قصة جماعية كتبت بالتحدي، وكل هدف مصري كان فصلاً جديداً فيها.
هذا يفسر مشاعر الحزن والمرارة بعد الخسارة المفاجئة، حيث شعر الجميع بأن الحضور العربي في المونديال قادر على إنتاج معنى يتجاوز حدود كرة القدم ويعزز القوة الرمزية العربية.
فلا يمكن فهم مشاعر الغبن والغضب التي عبرت عنها الجماهير العربية بعد خروج مصر إلا باستحضار شواهد الظلم والتحيز في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، والتي تتستر بشعارات العدالة والمساواة بينما تعكس ازدواجية المعايير في السياسة الدولية.
تحول مهم.
الشعور بالظلم والضعف أمام القوى الكبرى لا يقتصر على السياسات الدولية فقط، بل يمتد إلى عالم الرياضة وبطولاتها الكبرى. لقد ترسخت القناعة بأن المشاركة هي الأهم وأن الهزيمة هي النتيجة المتوقعة للمنتخبات العربية أمام نظيراتها القوية.
لكن التألق المغربي في مونديال قطر 2022 كسر هذا الوهم وأظهر للجميع إمكانية الوصول إلى مراحل متقدمة. فقد أدركت المنتخبات والجماهير العربية أن الفوز يتطلب أولاً انتصاراً على وهم تفوق “الآخر” وأن الانتصارات ستعيد توزيع المعاني وتكسر احتكار المركز لصورة القوة والهيمنة.
من المهم أن نتذكر أن الخسارات هي دروس لتجاوز الإخفاقات وأن حلم المنتخب المصري لم يتبخر بل تأجل فقط.
التواصل الاجتماعي وإشكالية الاستقطاب.
تابعت مباريات المنتخب المصري وشهدت فرحة المغاربة بأداء الفريق المصري خلال المونديال. كان طبيعيّاً أن يشعر المتابعون العرب بالفرح عند فوز أي منتخب عربي والحزن عند خروج أي منهم من المنافسة.
ومع ذلك، فإن بعض ما يظهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي يحذرنا من خطورة هذه المنصات التي تسعى لخلق واقع بديل عن الحقيقة. تلك الخطابات الاستقطابية قد تطغى أحياناً على الواقع الحقيقي في عالم ما بعد الحقيقة.
مصطلح “ما بعد الحقيقة” يشير إلى تراجع دور الحقائق الموضوعية في تشكيل الآراء العامة مقابل تأثير العواطف والانحيازات الشخصية. وقد أصبح لهذا المصطلح مكانة بارزة منذ عام 2016 عندما اعتُبر “كلمة العام” بسبب استخدامه المتزايد لوصف طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي.
اليوم، أصبح لوسائل التواصل الاجتماعي تأثير كبير على إنتاج الرأي العام وهندسة المخيلات الجمعية بفضل تقنيات ترويج المحتوى العاطفي القادرة على إثارة الجدل وجذب الانتباه بغض النظر عن جودته وصدقيته.
رغم ذلك، تبقى هذه المنصات عاجزة عن تجاوز قوة الوجدان الشعبي العربي المشترك؛ فالضجيج الذي تنتجه ليس سوى صدى لصراخ تضخمه الخوارزميات ولا يعبر عن أصوات العقلاء وضمير الأغلبية الحية بين الشعوب العربية.
لذا تبقى المكاسب الممكنة للمجتمعات العربية من المونديال هي تعزيز الإيمان بالذات وقدرتها على مواجهة تحديات “الآخر” وتقوية الروابط الإنسانية والثقافية والدينية والتاريخية المشتركة بينها والعمل على تعزيزها واستثمارها بشكل إيجابي.
من المهم أن نستحضر اكتشاف ألبير كامو بأن الصيف لا يقهر حتى في أعماق الشتاء ومن الضروري أيضًا أن نتذكر أن الخسارات تُعتبر أفضل معلم لتجاوز العقبات وأن حلم المنتخب المصري لم ينتهِ بل هو مؤجل فقط.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

