محمد الطراونة.
Published On 11/7/2026.
لم يكن وصول الحكم الدولي الأردني والمهندس المدني أدهم مخادمة إلى بطولة كأس العالم عام 2026 وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رحلة امتدت لأكثر من عقدين من الزمان.
بدأت قصة أدهم من أحياء مدينة الرمثا، حيث كان طفلاً يحرص على الصلاة في المسجد، ويؤذن للمصلين، ويحفظ أجزاء من القرآن الكريم. جمع بين مهنته كمهندس مدني ومسيرته التحكيمية التي أوصلته إلى أكبر محفل كروي في العالم.
وخلف الصورة التي يراها الملايين لحكم يقود مباريات كأس العالم بثقة وثبات، تختبئ قصة إنسانية مليئة بالتفاصيل التي صنعت شخصيته، وأسرة آمنت به منذ البداية.
من مسجد الحي بدأت الحكاية
تروي شقيقته، الدكتورة ناهدة مخادمة، لـ”الجزيرة نت”، أن أدهم لم يبدأ رحلته مع كرة القدم من الملاعب، بل من المسجد. منذ الصف الرابع الأساسي كان ملتزماً بالصلاة ويؤذن للمصلين، بل ويؤمهم رغم صغر سنه. كما حفظ أجزاء كبيرة من القرآن الكريم.
وتؤكد أن تلك التربية الإيمانية انعكست على شخصيته لاحقاً، فأصبح هادئاً ومتزناً وقادراً على ضبط انفعالاته، وهي الصفات التي يحتاجها الحكم في أصعب المباريات. مضيفة أن أهالي الرمثا عرفوه منذ صغره بدماثة أخلاقه وقربه من الناس، فلم يكن يحب أن يغضب أحداً وكان حاضراً في أفراح الناس وأتراحهم، وهي الصفات التي ما تزال تميزه حتى اليوم رغم وصوله إلى العالمية.
من مرافقة شقيقته إلى دورات التحكيم
أما شقيقته فتؤكد لـ”الجزيرة نت” أن البداية الحقيقية لمسيرة أدهم التحكيمية ارتبطت بها شخصياً عندما كانت أول حكمة كرة قدم أردنية.
وتقول: “إن الشعب الأردني كله يعرف أن بداية أدهم كانت معي حين كان يرافقني في دورة التحكيم التي حصلت عليها عام 2002”.
وتوضح أنها كانت تدرس التربية الرياضية في جامعة اليرموك، وكانت تضطر للسفر إلى عمّان لحضور دورة التحكيم. وكان أدهم أو شقيقهما راسم يرافقانها بسبب ظروف المواصلات. مضيفة: “مكثت نحو خمسة أشهر وأنا أحضر الدورة، وبعدما تم اعتمادي في نوفمبر/تشرين الثاني 2002 بدأت أشارك في بطولات مثل نادي عمان والأرثوذكسي وشباب الأردن وكان أدهم يرافقني باستمرار”.
وتقول إن تلك الرحلات المتكررة جعلته يعيش تفاصيل التحكيم عن قرب ويتابع المحاضرات والتدريبات قبل أن يتولد لديه الشغف الحقيقي بهذه المهنة.
الحكم الأردني أدهم مخادمة خلال عمله كمهندس مدني
أول من اكتشف موهبته
وخلال تلك الفترة لفت أدهم أنظار مدرب الحكام الأردنيين عمر بشتاوي الذي رأى فيه مقومات الحكم الناجح.
وتقول ناهدة: “كان أدهم طويل القامة وهذا الشيء كان بالنسبة للكابتن عمر بشتاوي من الصفات المطلوبة بالحكم. كان وقتها بالصف التاسع أو العاشر وكان شاباً مرتباً ومن هنا بدأ شغفه وحبه للتحكيم”.
وتضيف أن شقيقها التحق بدورة التحكيم عام 2004 قبل أن يُعتمد حكماً رسمياً. قائلة: “التحق بدورة التحكيم عام 2004 ومنها تم اعتماده حكماً. وأتذكر أننا كنا نذهب إلى تدريبات الحكام في إربد ومن بعدها أنا خرجت لأكمل الدكتوراه وهو استمر في طريقه”.
من الشارة الدولية إلى كأس العالم
واصل أدهم مخادمة رحلته بهدوء متنقلاً بين الملاعب المحلية والقارية حتى نال الشارة الدولية عام 2013 لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرته.
وتقول ناهدة: “الحمد لله حصل على الشارة الدولية عام 2013 واليوم وصل إلى أحد أهم الأهداف والطموحات التي كان يحلم بها منذ بداية مشواره وهي الوصول إلى كأس العالم”.
وتؤكد أن ما وصل إليه شقيقها لم يكن نتيجة محطة واحدة بل حصيلة سنوات طويلة من العمل اليومي والتطوير المستمر والالتزام حتى أصبح من بين الحكام الذين منحهم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ثقته لإدارة مباريات كأس العالم.
آخر مباراة شاهدها والده
ورغم الإنجازات التي حققها أدهم مخادمة فإن أكثر الذكريات حضورا في وجدان العائلة تعود إلى الأيام الأخيرة من حياة والده.
وتروي لـ”الجزيرة نت” أن أدهم كان يدير مباراة في الهند بينما كان والده يتلقى العلاج في المستشفى فحرصت العائلة على إحضار جهاز الحاسوب إلى غرفته حتى يتمكن من متابعة اللقاء.
وتقول: “كان والدي سعيداً بطريقة لا توصف وهو يشاهد أدهم وكان أكثر الناس إيماناً بقدراته وتشجيعاً له وبعد يومين فقط عاد أدهم من الهند لكن والدي دخل العناية الحثيثة وكانت تلك آخر مباراة شاهدها لابنه”.
أدهم مخادمة أدار باقتدار العديد من مباريات كأس العالم
أم بوسنية صنعت جيلاً من الناجحين
ولا تتحدث ناهدة عن نجاح شقيقها دون التوقف عند والدتهما التي تصفها بأنها صاحبة الأثر الأكبر في تكوين شخصية الأبناء.
وتقول إن والدتها تنحدر من البوسنة والهرسك وإن والدها الذي كان شيخ أحد مساجد سراييفو استُشهد خلال حرب البوسنة عام 1992 إثر سقوط قذيفة على المسجد.
وتضيف أن والدتها جاءت إلى الأردن وهي تحمل معها قيم الصبر والإيمان والاجتهاد وربت أبناءها الثمانية على أن النجاح لا يتحقق إلا بالعلم والعمل والدعاء حتى أصبحوا بين أطباء ومهندسين وصيادلة ومحاسبين ومعلمين مؤكدةً أن كل واحد منهم يحمل قصة نجاح صنعتها تضحيات والدتها.
وتشير إلى أن أدهم ظل متمسكاً بعادة لم يغيرها رغم وصوله إلى العالمية إذ كان يحرص قبل كل مباراة أو معسكر أو رحلة تحكيمية على المرور بوالدته وتقبيل يدها وطلب دعائها.

