أثارت موجة الطقس شديدة الحرارة التي شهدتها مصر يومي الأربعاء والخميس 22-23 يوليو 2026، مع ارتفاع كبير في نسبة الرطوبة، تساؤلات عديدة حول أسبابها وموعد انكسارها، واحتمال تكرارها، وعلاقتها بلهيب الطقس في أوروبا. كما تم طرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الموجة مؤشرًا على تغير مناخي أم مجرد حالة استثنائية عابرة، وسبل تجنب تداعياتها.

تغير طبيعي ومؤقت.

وفي محاولة للإجابة، قال خبير التغيرات المناخية الدكتور أحمد عبد العال، رئيس الهيئة العامة للأرصاد الجوية سابقًا، لموقع أخبار مصر ببوابة ماسبيرو إن هذه الموجة تعتبر تغيرًا مناخيًا طبيعيًا ومؤقتًا نتيجة تعرض البلاد لتأثير منخفض الهند الموسمي بشكل مباشر دون أن يمر عبر دول شمال البحر المتوسط مثل إيطاليا لتخفيف حدته. هذا ما أدى إلى تكون كتل ساخنة ورطوبة عالية، بالإضافة إلى وجود مرتفع جوي يحبس الهواء الساخن ويدفعه نحو سطح الأرض، مما يزيد الإحساس بحرارة الطقس خاصة مع ارتفاع نسبة الرطوبة. وتوقع خبير الأرصاد احتمال تكرار هذه الموجة من حين لآخر حسب حركة الرياح وشدة المنخفض الجوي الهندي ومساره بشكل مؤقت دون مخاطر.

لا علاقة بلهيب طقس أوروبا.

وحول علاقة هذه الموجة بلهيب الطقس في أوروبا، أكد الدكتور أحمد عبد العال أن هذه الموجة الساخنة ليست لها علاقة بظاهرة “القبة الحرارية” التي تجتاح بعض دول أوروبا بسبب مرتفع جوي قادم من غرب أفريقيا.

ويقصد بظاهرة “القبة الحرارية” حالة جوية تنشأ نتيجة تمركز منطقة ضغط جوي مرتفع في طبقات الجو العليا، تعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن داخل الغلاف الجوي ويدفعه للأسفل، مما يؤدي إلى تراكم الحرارة وارتفاع قياسي في درجات الحرارة قد يستمر لأسابيع.

تحدث الظاهرة عندما تتفاعل أنظمة الضغط في الغلاف الجوي وفق تسلسل محدد؛ حيث يتكون مرتفع جوي قوي في المستويات الوسطى والعليا من طبقة التروبوسفير، ثم يعمل هذا المرتفع على دفع الهواء الدافئ نحو الأسفل. وعند هبوط الهواء يزداد سخونة وضغطًا مما يمنع أي كتل هوائية باردة من الدخول ويعمل كدرع عاكس يعيد الحرارة مجددًا إلى سطح الأرض.

تأثير منخفض الهند الموسمي والانكسار يوم الجمعة.

أيضًا كشفت الدكتورة منار غانم، عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، أن البلاد تقع تحت تأثير امتداد منخفض الهند الموسمي وكتل هوائية شديدة الحرارة قادمة من البحر المتوسط محملة بكميات كبيرة من بخار الماء.

ولفتت إلى أن الموجة شديدة الحرارة متوقع أن تصل ذروتها نهايات هذا الأسبوع حيث تتأثر البلاد بمرتفع جوي في طبقات الجو العليا يساعد على زيادة الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة. وقد أعلنت هيئة الأرصاد أن درجة الحرارة العظمى في القاهرة الخميس 23 يوليو تتراوح بين 39 و40 درجة مئوية في الظل، بينما تصل درجة الحرارة المحسوسة إلى 42 درجة مئوية نتيجة ارتفاع نسب الرطوبة.

وأوضحت أن محافظات قنا والأقصر وأسوان والوادي الجديد تسجل أعلى درجات حرارة على مستوى الجمهورية حيث تتراوح العظمى بين 44 و45 درجة مئوية في الظل. وأشارت إلى أن درجات الحرارة الرسمية تُقاس وفق المعايير الدولية داخل الظل بينما ترتفع بشكل أكبر تحت أشعة الشمس المباشرة.

ومن المتوقع أن تبدأ الموجة في الانكسار التدريجي اعتباراً من يوم الجمعة بانخفاض طفيف يتراوح بين درجة إلى ثلاث درجات مئوية. ويستمر التراجع النسبي للحرارة حتى منتصف الأسبوع المقبل مع بقاء الطقس صيفياً حاراً ورطباً.

وحذرت الهيئة من التعرض المباشر لأشعة الشمس لفترات طويلة خلال ساعات الذروة. كما حثت على الإكثار من شرب المياه والسوائل لترطيب الجسم وارتداء ملابس قطنية خفيفة وفاتحة واستخدام غطاء للرأس عند الخروج.

ارتفاع تدريجي.

أما الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، فرأى أن البلاد تشهد ارتفاعًا تدريجيًا طبيعيًا في درجات الحرارة منذ البداية الفلكية والرسمية لفصل الصيف في 21 يونيو نافياً شائعات تعرض البلاد لموجة حرارة استثنائية أو غير معتادة تثير خوف المواطنين.

وأكد الدكتور فهيم في تصريحات إعلامية أن الصيف بدأ هذا العام بشكل هادئ ومتأخر نسبيًا مقارنة بالأعوام السابقة التي شهدت موجات مبكرة وصلت فيها درجات الحرارة في مناطق الصعيد إلى 48 درجة مئوية. وأوضح أن الارتفاع طبيعي ومعتاد في مثل هذا الوقت من السنة.

اتخاذ تدابير ري وقائية.

وحول تأثير المحاصيل الزراعية، ذكر رئيس مركز معلومات تغير المناخ أن المحاصيل المنزرعة حاليًا هي محاصيل صيفية بطبيعتها وتتحمل درجات الحرارة المرتفعة مثل الذرة والأرز والقطن وعباد الشمس والفول السوداني. وحذر من أن الارتفاع المستمر في الحرارة سيزيد من معدل حاجة النباتات للمياه مما يتطلب اتخاذ تدابير ري وقائية تتناسب مع هذه المتغيرات الجوية لضمان جودة المحاصيل وسلامتها.

ونصح محمد علي فهيم المزارعين بضرورة تقريب فترات الري لتعويض زيادة استهلاك النبات للمياه نتيجة ارتفاع الطاقة الحرارية بعد تعامد الشمس على مدار السرطان. كما أوصى بتقليل الفترات الفاصلة بين الري وزيادة مدة الري بالتنقيط من ساعة إلى ساعة وربع لتجنب الإجهاد الحراري الذي قد يؤثر سلباً على جودة وحجم المحصول.

خسائر “القبة الحرارية” بأوروبا.

وعلى المستوى الدولي.. تواجه أوروبا موجات حارة شديدة وغير مسبوقة بسبب “القبة الحرارية” والتغير المناخي؛ حيث تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة 14 ألف حالة بحلول منتصف يوليو 2026 (مع تضرر كبار السن بشكل كبير). كما اندلعت حرائق ضخمة في مناطق مثل جزيرة صقلية بإيطاليا وسط عمليات إجلاء للسكان وتضررت البنية التحتية وانقطع الكهرباء عن بعض العواصم والمدن مثل عاصمة مالطا ومناطق بفرنسا وتشقق الطرق في ألمانيا.

ومن التداعيات الاقتصادية ارتفاع تكاليف التبريد حيث تتجاوز فاتورة استخدام مكيفات الهواء 70 مليار يورو سنويًا في القارة علاوة على تراجع الإنتاجية الصناعية وخسائر تريليونية محتملة تهدد أكبر اقتصادات أوروبا مثل ألمانيا وفرنسا بحلول عام 2030 حسب تقديرات وكالة بلومبرج.

ومن مخاطرها الصحية والبيئية: تزايد حالات الإجهاد الحراري وتجفيف التربة مما يمهد لاندلاع حرائق الغابات فضلاً عن استهلاك الطاقة حيث يرتفع الطلب بشكل كبير على شبكات الطاقة بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد. وتؤكد الدراسات الحديثة أن البنية التحتية في أوروبا غير مؤهلة لمثل هذه التغيرات المناخية المتطرفة؛ إذ إن القارة صُممت لمناخ لم يعد موجوداً نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة التي تجعل هذه الموجات تتكرر بشكل غير مسبوق.

تحديات وفرص.

وتعقيباً على تداعيات هذه الموجة غير المسبوقة بأوروبا.. يرى رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية أن هذه التحولات المناخية تمثل تحديات كبيرة لكنها تتيح فرصاً واعدة للقطاع الزراعي المصري فيما وصفه بتعبير “تصدير الحر”.

وأوضح الدكتور فهيم عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك” أنه بعد اجتياح موجة حر غير مسبوقة منذ 20 يونيو 2026 دول جنوب وغرب القارة مثل فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا مع تجاوز درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية نتيجة اندفاع كتلة هوائية حارة من شمال إفريقيا فإن الفرصة أمام مصر لتعزيز صادراتها الزراعية إلى أوروبا بدءًا من الموسم المقبل متاحة إذا تم الاستعداد جيدًا واستغلال الفجوات المتوقعة في الأسواق الأوروبية.

دراسات استشرافية لاحتياجات الأسواق الأوروبية.

وطالب الدكتور فهيم بالإسراع لإعداد دراسات استشرافية لرصد احتياجات الأسواق الأوروبية خلال الفترة المقبلة وتحليل أوضاع الإنتاج لدى الدول المنافسة لتحديد الفرص التصديرية المتاحة. ودعا أيضًا لتعزيز التنسيق الإقليمي مع دول المغرب العربي عبر إنشاء سوق تصديرية مشتركة تقوم على مبدأ تحقيق المكاسب لجميع الأطراف بما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية العربية في الأسواق العالمية.

وأشار إلى أنه رغم المخاطر التي تحملها التغيرات المناخية فإنها قد تمثل نافذة لتعزيز مكانة مصر كمصدر رئيسي للمنتجات الزراعية مؤكدًا أنه يجب قراءة المتغيرات المناخية مبكرًا للاستفادة القصوى منها.

  • أهم إجراءات الوقاية

وفي السياق.. حذرت وزارة الصحة والسكان المواطنين من مخاطر الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة مؤكدة أهمية الالتزام بالإرشادات الوقائية لتجنب الإصابة بالإجهاد الحراري وضربة الشمس خاصة مع استمرار موجات الطقس شديد الحرارة.
ونبه الدكتور حسام عبد الغفار المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان بأن التعرض المباشر لدرجات الحرارة المرتفعة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة داعيًا المواطنين إلى اتباع مجموعة إجراءات وقائية لحماية أنفسهم وأفراد أسرهم.

*البقاء في الظل خلال فترات الذروة
وأوضح أنه يُنصح بعدم التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال فترات الذروة مع الحرص على البقاء قدر الإمكان تحت الظل عند الاضطرار للخروج مشيرًا إلى أن الإحساس بالحرارة تحت أشعة الشمس المباشرة قد يزيد عن درجة حرارة الهواء بما يتراوح بين عشر وخمس عشرة درجة مئوية.
<
وأضاف أنه يمكن تقليل تأثير الإجهاد الحراري بالبقاء لمدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات يوميًا بمكان بارداً أو جيد التهوية بالإضافة إلى أهمية شرب السوائل بانتظام حتى قبل الشعور بالعطش لتعويض ما يفقده الجسم نتيجة التعرق وارتفاع درجات الحرارة.

وأكد المتحدث الرسمي ضرورة ارتداء ملابس خفيفة وفضفاضة وفاتحة اللون لأنها تساعد الجسم على التخلص من حرارة الزائدة لافتاً النظر إلى كبار السن والأطفال والحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة هم الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة ويحتاجون لعناية خاصة خلال هذه الفترة.

وأشار أيضًا لأبرز أعراض الإجهاد الحراري أو ضربة الشمس والتي تتمثل بالدوران والإرهاق الشديد وارتفاع درجة حرارة الجسم واضطراب الوعي مؤكدًا ضرورة الحصول فوراً على الرعاية الطبية عند ظهور هذه الأعراض لأن ضربة الشمس تعتبر حالة طبية طارئة تحتاج لتدخل سريع.

وشددت وزارة الصحة والسكان على أهمية الوقاية التي تبدأ بإجراءات بسيطة لكنها تمثل خط الدفاع الأول لحماية المواطنين ضد المضاعفات الصحية المرتبطة بموجات الحر الشديدة داعين الجميع للالتزام بالإرشادات الوقائية حفاظا على صحتهم وسلامتهم.